بان كي مون في دهشة أمام مشهد تقطيع أوصال الضفة الغربية بين جدار عازل، ومستوطنات جاثمة، وحصار وعزل لمناطق عدة، ويقول أمين عام الأمم المتحدة:
(أنتم تعيشون تحت قيود بالغة الشدة، كيف تُحرمون العمل في 60 في المئة من أرضكم؟ هذا أمر غير مقبول).
هذا الخطاب الموجّه للفلسطينيين يجب ألا يثير الدهشة، لأن تقارير الأمم المتحدة منذ سنوات تشير إلى هذا الواقع. وبدلاً من أن تتحدث أوساط دولية على (العنف الفلسطيني) كان الأجدر بها أن تتكلم على أسباب العنف. وكيف إذا جاء العنف الإسرائيلي متجاوزاً العنف الفلسطيني في كل المراحل العهود؟
الإدارة الأميركية فشلت، وتفشل في تحقيق نقلة نوعية للتسوية السلمية فتلجأ إلى اللجنة الرباعية الدولية التي تصدر بياناً جديراً بالدراسة، فما هي مضامينه الأساسية؟
1 حديث الرباعية عن استئناف المفاوضات من دون شروط مسبقة، يعني ان الاتفاقات السابقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين غير ملزمة، وهذا من شأنه إضافة تعقيدات جديدة إلى المفاوضات، وإضعاف الموقف الفلسطيني بعدما تمادت إسرائيل في توسيع الاستيطان وتهويد القدس واستكمال الجدار العنصري العازل في الضفة الغربية واعتقال مزيد من الفلسطينيين المدنيين…
2 تعتقد الرباعية بالتوصل إلى تسوية من طريق التفاوض في غضون سنتين، وهذا أمر غير مؤكد نظراً للتجارب السابقة منذ مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991، وما تبعه من خيبات أمل متكررة. أما عبارة (إنهاء الاحتلال الذي بدأ في العام 1967) فلا تؤدي بالضرورة إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة كافة مادامت الرباعية لم تلتزم القرار الشهير، الرقم 242، ولم تُلزم إسرائيل بمضمون هذا القرار.
3 تحض الرباعية إسرائيل على تجميد الأنشطة الاستيطانية، بما في ذلك النمو الطبيعي، وتفكيك المواقع الاستيطانية التي اقيمت منذ آذار 2001، والكف عن عمليات الإزالة والإجلاء في القدس الشرقية. بيد ان هذه الطريقة الممجوجة في التعامل مع ملف الاستيطان أدّت إلى زيادة عدد المستوطنين، وتهجير عدد كبير من عرب القدس بالتزامن مع الاستيطان اليهودي المتسع في المدينة. والنتيجة هي فرض أمر واقع على الفلسطينيين في أي مفاوضات آتية، وتقطيع أوصال الدولة الفلسطينية الموعودة.
4 تدعو الرباعية السلطة الفلسطينية إلى (مواصلة بذل كل جهد لتحسين القانون والنظام لمكافحة العنف ووقف التحريض). هذا مع ان الجانب الفلسطيني هو الذي يتعرض للعدوان، من دولة الاحتلال إسرائيل. ولا مجال للمقارنة بين العنف الفلسطيني والعنف الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، وما تزال حرب غزة دليلاً على هذا العنف موجّها ضد شعب فلسطين. والمؤسف في هذا المضمار ان قرارات الأمم المتحدة التي ندّدت بالعدوان الإسرائيلي في غير مناسبة على مدى أكثر من أربعين سنة ظلت مجرد نداءات غير قابلة للتطبيق.
5 هل تكفي ادانة الرباعية للاستيطان الجديد في القدس؟ وماذا عن الاستيطان القديم بما يخالف قرارات وقواعد الشرعية الدولية؟ ثمة متغيرات ديموغرافية على الأرض بفعل الاحتلال دون تحرك دولي رادع بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وذلك نتيجة التحالف الاستراتيجي الأميركي الإسرائيلي. وهناك تغيير لطبيعة مدينة القدس الشرقية حيث تصرّ الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على هذه السياسة الاستيطانية الاحتلالية، واعتبار القدس الموحدة عاصمة إسرائيل الأبدية.
6 تؤكد الرباعية على الحاجة الماسة إلى حل دائم لأزمة غزة، حيث يقلقها التدهور المستمر للوضع الإنساني الذي يعانيه المدنيون.. والسؤال يتركز على أسباب عدم فك الحصار الإسرائيلي إلى اليوم؟ وطالما انسحبت إسرائيل كما تدّعي من قطاع غزة منذ العام 2005، فلماذا تستمر بفرض الحصار من جميع الجهات؟
يجب ألا تتحول الرباعية الدولية إلى غطاء لمفاوضات رتيبة لم تبدأ بعد، بقدر ما يجب أن تضطلع بدور مركزي في تطبيق القرارات الدولية. ولأن الديبلوماسية الأميركية فشلت في التقدم خطوات إلى الأمام في ملف التسوية، نجد العودة من وقت إلى آخر إلى اللجنة الرباعية الدولية لإصدار بيان هو مجرد إعلان الرغبة الدولية في تسوية القضية، فيما لا تزال التسوية بعيدة المنال.
"المستقبل"




















