شكّل ملفّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، منذ بداية تحرير سورية من نظام الأسد، عبئاً مركزياً على العلاقة بين الحكومة السورية الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إذ اعتمدت الأخيرة على ما يشكّله ملفّ معتقلي التنظيم من تهديد أمني لتبرير استمرار الإدارة الذاتية المؤقّتة، والحفاظ على دورها العسكري والإداري، فضلاً عن تبرير الدعم الدولي لبقاء ملفّ “قسد” خارج قوس الحلّ الوطني، ما حمّل الأهالي من السوريين الكرد تبعات تأخير تقديم الخدمات المطلوبة لهم بالتساوي مع المناطق السورية كلّها.
ومع تزايد الأخبار عن بدء حلحلة ملفّ معتقلي “داعش” وتفكيكه واختيار ترحيل أعداد منهم إلى العراق، يبرز سؤال عن مستقبل المهمّات العسكرية لـ”قسد”، وما إذا كانت هذه الخطوة تمثّل نهاية لواحد من أبرز الملفّات التي كانت تستخدمها لتأجيل أو تقييد تنفيذ اتفاقها الكامل مع الحكومة السورية، والعودة بها قوة محلّية مندمجة داخل مؤسّسات الدولة الأمنية والعسكرية والمدنية، أي إنهاء حالة الإدارة الذاتية المنفصلة عن الدولة الأم؟
على مدار سنوات ماضية، انشغلت “قسد” فعلياً بملفّ “داعش”، وفي الوقت نفسه، استخدمته ورقة ضغط سياسية وأمنية على النظام السابق، فاعتمدت عليه في تكريس وضعها قوة أمر واقع في مواجهة جيش الأسد من جهة، وبعض فصائل المعارضة من جهة مقابلة، ولتثبيت شرعيتها أمام المجتمع الدولي، باعتبارها شريكاً أساساً في مكافحة الإرهاب. كما أتاح لها هذا الملفّ الحفاظ على بنية إدارية وعسكرية منفصلة نسبياً عن مؤسّسات الدولة السورية، تحت عنوان “الضرورات الأمنية”.
اتفاق 29 يناير (2026) خطوة جادّة أمام الحكومة السورية لإعادة نشر مؤسّساتها، وفرض سيطرتها على الموارد والخدمات والمناطق، ودمج الأجهزة الأمنية المحلّية في مؤسّسات الدولة
وبعد التطوّرات التي أعقبت تحرير سورية، وفي ظلّ تأكيد المجتمع الدولي على وحدة أراضيها، والتفاهم السوري – الأميركي بشأن مكافحة الإرهاب، لم يعد بالإمكان الاستمرار في الاعتماد على “قسد” وكيلاً حصرياً في ملفّ محاربة “داعش”. هذا التحوّل فتح الباب أمام مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة دور “قسد” قوة محلّية ضمن الخريطة السورية، ودفع باتجاه استحقاق مفصلي يتمثّل في إعادة دمج مناطق الشمال الشرقي بشكل كامل في بنية الدولة السورية، والشروع في تنفيذ بنود الاتفاق الموقَّع في 29 يناير/ كانون الثاني الماضي مع دمشق، من دون أي مبرّرات للتأجيل أو التعطيل.
مثّل الاتفاق المذكور الخطوة الجادّة أمام الحكومة لإعادة نشر مؤسّساتها، وفرض سيطرتها على الموارد والخدمات والمناطق، ودمج الأجهزة الأمنية المحلّية في مؤسّسات الدولة الرسمية، بما يحقّق وحدة الأراضي السورية التي تكفلها الدولة الجديدة، وبدعم شعبي سوري، وسند عربي ودولي.
يتيح الاتفاقُ للأطراف كافّة فرصة لإعادة ترتيب البنية الإدارية والسياسية في تلك المنطقة بشكل كامل، بما يشمل تنظيم الموارد، وتقديم الخدمات العامة، وتطبيق القوانين السورية، وضمان مشاركة المجتمع المحلّي. لا يقتصر النجاح في عملية الدمج على السيطرة الميدانية ودخول مؤسّسات الدولة إلى المنطقة، بل يتطلّب تأسيس إدارة متكاملة متصلة مع المركز، تجعل منها جزءاً من الدولة السورية الموحَّدة، وتؤسّس لاستقرار سياسي واجتماعي مستدام.
من جهة أخرى، يتيح القبول بالاتفاق وتنفيذه توجيه الجهود نحو أولويات جديدة تتعلّق بإعادة الإعمار، وتنشيط الاقتصاد المحلّي، وخلق بيئة جاذبة للاستثمار. فاستقرار البنية الإدارية والقانونية يشكّل شرطاً لأي عملية تنموية، كما أن إنهاء مظاهر الازدواجية في السلطة يساهم في تقليل المخاطر وتحسين كفاءة إدارة الموارد.
من شأن تجاوز ملفّ “داعش” أن يحمل مهمّاتٍ جديدة لكلّ الأطراف الرسمية والمجتمعية، إضافة إلى مهمة معالجة الوضع الأمني المختلّ الذي كان أحدثه وجود هذا التنظيم في تلك المنطقة، منها معالجة جذور التطرّف، وتعزيز الأمن الاجتماعي والاقتصادي، وتطبيق سياسات عادلة وشفّافة لضمان عدم عودة أي تنظيم مشابه في المستقبل، إذ إن غياب هذا الجهد قد يؤدّي إلى إعادة إنتاج الفراغ الذي سمح بصعود “داعش” في السابق.
وعليه، من منظور استراتيجي، يمثّل سحب عبء ملفّ معتقلي “داعش” من “قسد” نقطة تحوّل تاريخية، ليس لإزالة العقبة الأمنية فقط، بل لتهيئة الظروف لاندماج كامل للمناطق الشرقية ضمن الدولة السورية، وإطلاق مشاريع تنموية، وتعزيز ثقة السكّان بالدولة ومؤسّساتها، لترسيخ الاستقرار، وإعادة ترتيب المشهدين، السياسي والاجتماعي، بشكل دائم.
- العربي الجديد


























