(مستشرق وخبير في الصراع العربي ـ الإسرائيلي)
هل حكم القدس كحكم نتساريم؟ هل سيتم فعلاً إخلاء المستوطنين من راموت ومعاليه أدوميم؟ فقد صرح رئيس الحكومة في الآونة الأخيرة أنه سيواصل البناء في القدس كما فعل أسلافه طوال السنوات الـ42 الماضية، وكما نبني في تل أبيب.
مع توليه لمنصبه أعلن نتنياهو أنه سيتمسك بمواقفه، لكنه اعترف في خطاب بار إيلان بوجود شعب فلسطيني له حقوق قومية، ويستحق دولة، وإن كانت منزوعة السلاح، لكنها دولة، وذلك بعد اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية. واليوم أيضاً، ومع الإعلان بأن القدس هي عاصمة إسرائيل الموحدة، تنازل نتنياهو عن البناء في الضفة الغربية، وحتى في الكتل الاستيطانية.
في المقابل، لم يتنازل الفلسطينيون عن شيء. فهم يطالبون بعودة اللاجئين، بالقدس الشرقية، برفع الحواجز وإخلاء المستوطنات. وهم لا يعترفون بحق الشعب اليهودي بوطن خاص به في فلسطين ويتعاملون مع الإسرائيليين على أنهم جماعات استعمارية غازية.
لقد أوضحت وزير الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون الهدف الذي تسعى إليه الإدارة الحالية: اتفاق يستند إلى حدود 1967، إدارة دولية للأماكن المقدسة والتنازل عن عزل حماس وعن الفصل الأمني في الضفة، بحجة تحسين رفاهية السكان.
يتعرض رئيس الحكومة لعملية تصفية مركزة. فقد طُلب منه التنازل عن كل مبدأ يتعارض مع التصور الأميركي. ومن خلال وضعه القدس على الخط الأمامي، استدعى نتنياهو محدلة الضغوط إلى ساحته الخلفية. فالبيوت الواقعة على مسافة قريبة جدا من مقر اقامته الرسمي مرشحة لأن تكون جزءاً من عاصمة فلسطين على يد "العم سام". كل مصادقة بناء في العاصمة تحظى فوراً بحظر نشر، ما يولد ارباكاً شديداً.
هل صوتنا لبيبي وحصلنا على تسيفي؟ يتساءل أعضاء اليمين، ويضيفون: هل حكم القدس كحكم نتساريم، هل سنخلي فعلاً مستوطنين من قلب عاصمتنا الأبدية؟ هل إسرائيل جمهورية موز؟
يتقدم الفلسطينيون نحو هدفهم على خطين: فهم من جهة أولى يطلبون كل شيء مقابل لا شيء، ومن جهة ثانية يطرحون دوماً مطلباً آخر يوجهون إليه كل المدافع. فهم وضعوا القدس على رأس اولوياتهم، وأوضحوا أنه لا مكان فيها للبناء اليهودي، وضموا العرب في إسرائيل إلى نضالهم وركبوا على عجلة الحركة الاسلامية الشمالية وأنكروا أن "بيت المقدس" هو "الهيكل"، ونفوا القدسية اليهودية عن "حائط المبكى".
لقد أوضح الفلسطينيون أنه لا مكان لدولة يهودية في فلسطين، ومن هنا لا مجال من ناحيتهم للتنازل عن التطلعات القومية المستقبلية في أراضي إسرائيل السيادية. وهم يطالبون بعودة اللاجئين العرب ويتوقعون تسليم المستوطنات وإخلاء المستوطنين، إلى جانب الإفراج عن الأسرى ورفع الحواجز. فهم يطالبون بكل شيء، والأمر يسير وفق رغبتهم حالياً.
يُعتبر نتنياهو في نظر الجمهور رئيس حكومة يخضع للضغط ومربك، ينقاد على يد الوزراء والخوف من الآخرين. كل تصريحاته الإعلامية بأنه سيواصل البناء في القدس الشرقية تحظى بضغط أميركي بواسطة وسائل الإعلام، الأمر الذي يتسبب بتنازله الخفي عن العين داخل الغرف البيضاوية.
هل إسرائيل دولة تابعة؟ جمهورية موز؟ هل نحن فتيان قاصرون بحيث أننا إذا لم نتصرف بصورة لائقة يضربوننا بالمسطرة؟ سأل مناحيم بيغن السفير لويس في لحظة أزمة؛ سنبني جداراً في جنوب العاصمة، قال نتنياهو في ولايته الأولى؛ سنربط القدس بمعاليه أدوميم، قال أولمرت؛ حكم نتساريم كحكم تل ابيب، قال شارون؛ سنبني في القدس كما نبني في تل أبيب، يقول نتنياهو الحالي.
إذا كانت ثمة خطوط حمراء لرئيس الحكومة، فهذا هو الوقت المناسب للحفاظ عليها. يتعين على رئيس الحكومة أن يلوح دوماً بما أعطاه وبالفم الملآن على الرغم من العذابات الشديدة: حلم أرض إسرائيل الكاملة والبناء في المستوطنات.
("معاريف" 26/3/2010)
ترجمة: عباس اسماعيل
المستقبل




















