يشكّل الفساد في سوريا أحد أكثر الملفات تعقيدًا وإلحاحًا في المرحلة الراهنة، ليس فقط بسبب امتداده الواسع داخل مؤسسات الدولة، بل لأنه تداخل، على مدى سنوات طويلة، مع بنية الحكم والإدارة والاقتصاد، حتى بات جزءًا من الواقع اليومي للمواطنين.
وفي لحظة سياسية تتقدّم فيها السلطة الجديدة إلى واجهة المشهد، تبرز مكافحة الفساد بوصفها اختبارًا حقيقيًا لجدية أي مشروع إصلاحي، وشرطًا أساسيًا لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، في ظل أزمات متراكمة تتجاوز الشأن الاقتصادي إلى عمق الاستقرار السياسي والاجتماعي.
تكتسب مكافحة الفساد أهمية إضافية في ضوء ما أظهرته مؤخرًا بيانات منظمة الشفافية الدولية في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، حيث تقدّمت سوريا من المركز الرابع إلى المركز العاشر ضمن قائمة ذيل الدول الأكثر فسادًا عالميًا. هذا التقدم قد يشير إلى تغيّر نسبي في الترتيب العام وتحسّن محدود، إلا أن المراحل الانتقالية عادة ما تشهد حملات واسعة لمكافحة الفساد والترهل والمحسوبيات، تتضمن إصدار قوانين، وتشكيل لجان مختصة، وتفعيل أجهزة المحاسبة.
لقد تشكّل الفساد في سوريا عبر مسارات طويلة، تراكمت فيها أنماط من البيروقراطية المعقّدة، وضعف الشفافية، وغياب المساءلة الفعلية، ما أتاح نشوء اقتصاد ظلّ واسع، وعلاقات زبائنية بين السلطة والمال..
مؤشر مدركات الفساد، الذي يُعد أحد أهم المؤشرات الدولية في هذا المجال، لا يقيس الفساد بوصفه رقمًا مجردًا، بل يقيس تصورات الخبراء ورجال الأعمال حول مدى انتشار الفساد في القطاع العام، ومدى قدرة الدولة على ضبطه ومساءلة المتورطين فيه. وبقاء سوريا ضمن قائمة الدول العشر الأكثر فسادًا في العالم، حتى بعد هذا التقدّم، يدل على أن الفساد ما زال ظاهرة حاضرة تفرض نفسها، وتتجاوز الممارسات الفردية إلى شبكة علاقات ومصالح متداخلة يصعب تفكيكها دون إرادة سياسية صريحة وإصلاحات جذرية.
كما تشير أرقام استطلاع المؤشر العربي في سوريا، الذي أجراه مركز دراسات سوريا المعاصرة في دمشق، إلى أن 89 في المئة من السوريين يعتقدون أن الفساد في سوريا ما زال منتشرًا في مؤسسات الدولة، على الرغم من اعتقاد 54 في المئة منهم بأن الفساد اليوم أقل مما كان عليه سابقًا. كما بيّن الاستطلاع أن 64 في المئة من السوريين ما زالوا يعتقدون أن الأوضاع الاقتصادية في سوريا سيئة، في حين أن 56 في المئة يشعرون بالأمل في المستقبل.
لقد تشكّل الفساد في سوريا عبر مسارات طويلة، تراكمت فيها أنماط من البيروقراطية المعقّدة، وضعف الشفافية، وغياب المساءلة الفعلية، ما أتاح نشوء اقتصاد ظلّ واسع، وعلاقات زبائنية بين السلطة والمال، انعكست مباشرة على نوعية الخدمات العامة، وتوزيع الموارد، وفرص التنمية المتوازنة. ومع مرور الوقت، لم يعد الفساد مجرد خلل إداري، بل تحوّل إلى آلية غير معلنة لإدارة الشأن العام، تُستخدم أحيانًا لتجاوز العجز، وأحيانًا أخرى لتثبيت النفوذ.
في هذا الإطار، لا يمكن فصل الفساد عن السياق السياسي والأمني العام. فالسلطة الجديدة تواجه تحديات ثقيلة، من إعادة ضبط الاستقرار الداخلي إلى إدارة ملفات سياسية حساسة، مرورًا بأزمة اقتصادية ورثتها من الحكم البائد، وصولًا إلى التراجع الحاد في مستوى معيشة المواطنين. غير أن هذه التحديات، على جسامتها، لا يمكن أن تشكّل مبررًا لتأجيل مكافحة الفساد، لأن التجربة تُظهر أن الفساد لا يتراجع تلقائيًا في أوقات الأزمات، بل يتمدّد مستفيدًا من ضعف الرقابة وتشتّت الأولويات.
بل إن الفساد، في مثل هذه الظروف، يتحوّل إلى عامل مضاعِف للأزمة، إذ يؤدي إلى هدر الموارد المحدودة، ويقوّض فعالية أي سياسات إصلاحية، ويُضعف ثقة المواطنين بقدرة الدولة على إدارة شؤونهم بعدالة وكفاءة. ومع تآكل هذه الثقة، تصبح الدولة أكثر هشاشة وأكثر عرضة للاهتزازات الاجتماعية والسياسية، مهما امتلكت من أدوات أمنية أو خطاب سياسي.
من هنا، تبرز مكافحة الفساد كأولوية سياسية لا تقل أهمية عن الملفات الأمنية أو الدبلوماسية. فالدولة التي تسعى إلى تثبيت استقرارها لا تستطيع أن تفعل ذلك في ظل شعور عام بأن القانون لا يُطبَّق بالتساوي؛ إذ إن 42 في المئة يعتقدون أن السلطة الجديدة لا تطبّق القانون بالتساوي بين الناس وتحابي بعض الفئات. كما أن أي حديث عن إعادة إعمار أو جذب استثمارات يبقى نظريًا ما لم تُعالَج البيئة الإدارية والقانونية التي تنفّر رأس المال وتحول الاستثمار إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.
إن جوهر التحدي أمام السلطة الجديدة لا يتمثّل في إطلاق شعارات عامة ضد الفساد، بل في الانتقال من الخطاب إلى الممارسة، ومن الإجراءات الشكلية إلى السياسات البنيوية. فمكافحة الفساد تتطلّب إعادة نظر شاملة في طريقة عمل المؤسسات، وفي استقلالية القضاء، وآليات الرقابة والمحاسبة، وعلاقة الدولة بالمجتمع والإعلام. كما تتطلّب الاعتراف بأن الفساد ليس انحرافًا أخلاقيًا فحسب، بل نتيجة مباشرة لاختلالات في توزيع السلطة والموارد.
السلطة الجديدة، إن أرادت أن تؤسس لمرحلة مختلفة فعلًا، مطالَبة بأن تجعل من مكافحة الفساد أولوية مركزية لا هامشية، وأن تتعامل معه باعتباره مدخلًا لإعادة بناء الدولة..
وفي هذا السياق، يصبح التقدّم في مؤشر مدركات الفساد اختبارًا مزدوجًا: إما أن يكون نقطة انطلاق لإصلاح حقيقي يهدف إلى تحسين النقاط لا الترتيب فقط، أو أن يتحوّل إلى غطاء رمزي يُستخدم لتأجيل المواجهة الصعبة مع شبكات المصالح الراسخة. الخيار الأول وحده كفيل بإحداث فرق ملموس في حياة المواطنين، وفي صورة الدولة داخليًا وخارجيًا.
في المحصلة، يمكن القول إن انتقال سوريا من المركز الرابع إلى المركز العاشر في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 لا يغيّر من حقيقة أساسية، وهي أن الفساد ما زال أحد أخطر التحديات البنيوية التي تواجه الدولة. والسلطة الجديدة، إن أرادت أن تؤسس لمرحلة مختلفة فعلًا، مطالَبة بأن تجعل من مكافحة الفساد أولوية مركزية لا هامشية، وأن تتعامل معه باعتباره مدخلًا لإعادة بناء الدولة، لا ملفًا تقنيًا يمكن ترحيله إلى وقت لاحق.
فالتجارب المقارنة تُظهر أن الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها العميقة لم تفعل ذلك عبر إدارة الفساد، بل عبر مواجهته. وفي الحالة السورية، قد تكون هذه المواجهة هي الفارق الحقيقي بين إعادة إنتاج الأزمة أو فتح أفق جديد لإصلاح طويل ومعقّد، لكنه ضروري.
- تلفزيون سوريا






















