في خطوة عسكرية مفصلية وهادئة، بدأت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تسليم كامل السلاح الثقيل والمتوسط إلى وزارة الدفاع السورية، في إطار تنفيذ الاتفاق الذي وقع بين الطرفين في 29 كانون الثاني/ يناير. عملية التسليم جرت بعيداً عن الأضواء بناءً على طلب من “قسد”، وهذا ما يطرح تساؤلات حول أبعاد هذا التحول في المعادلة العسكرية والسياسية في شمال شرق سوريا.
اتفاق طويل الأمد
منذ العام 2014، سيطرت “قسد” على شمال شرق سوريا، وأصبح لها استقلالية عسكرية تامة، وهذا ما جعلها تشكل نموذجاً للإدارة الذاتية في تلك المناطق. ومع وصول السلاح الثقيل إلى دمشق، تُختصر هذه الفترة من الاستقلالية العسكرية. لكن، هل هي نهاية “الإدارة الذاتية” أم مجرد إعادة تعريف ضمن إطار الدولة السورية؟
تزامن تسليم السلاح مع زيارة وفد رسمي إلى محافظة الحسكة برئاسة المبعوث الرئاسي العميد زياد العايش والعديد من المسؤولين الحكوميين، بهدف الإشراف المباشر على تنفيذ الاتفاق وتسريع عمليات الاندماج، بما في ذلك تفعيل مؤسسات الدولة وتعزيز الخدمات الحكومية في مناطق شمال شرق سوريا، وذلك لتسريع دمج “قسد” ضمن منظومة الدولة السورية.
بعيداً عن الأضواء
وتتخوف “قسد” من أن يظهرها توثيق عملية التسليم كأنها تقدم تنازلاً استراتيجياً، وهو ما قد يُفسّر داخل سوريا أو في الإقليم كاعتراف بنهاية نموذج الإدارة الذاتية العسكرية. لكن، وباختيار تسليم السلاح بعيداً عن الأضواء، أرادت “قسد” إدارة التحول بأقل كلفة رمزية ممكنة، بينما اختارت دمشق تثبيت المكسب بهدوء ومن دون استعراض.
تسليم السلاح الثقيل لا يمثل تغييراً عسكرياً فقط، بل انتقالاً مهماً من “قوة مستقلة” إلى “مكون معترف به ضمن المنظومة العسكرية للدولة”. فالاحتفاظ بالسلاح الثقيل كان جوهر استقلالية “قسد” العسكرية. الآن، وبعد أن أصبح السلاح تحت سيطرة وزارة الدفاع السورية، تغيّرت طبيعة المعادلة، ولكن ليس على نحوٍ كامل، حيث يتم تنفيذ الاتفاق على مراحل، وهو ما يعني أن الدمج سيكون تدريجياً.
ومن غير الممكن أن تكون هذه الخطوة جاءت بدون حسابات دقيقة من “قسد”. بعض التقديرات تشير إلى أن “قسد” قد تلقت ضمانات تتعلق بتعزيز أمنها وإدارة المناطق التي تسيطر عليها، أو ربما إعادة تعريف مكانتها ضمن إطار الدولة بدلاً من البقاء خارجها. من هذا المنطلق، قد يكون هذا التحول خطوة نحو تحقيق استقرار إداري وقانوني في ظل التحولات الإقليمية والدولية.
وتعتبر محافظة الحسكة، التي استقبلت الوفد الرئاسي، مركز الثقل السياسي والعسكري في الشمال الشرقي. فالزيارة لم تكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل كانت ضرورية لتسريع عملية دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة، وضمان تطبيق الاتفاق بنجاح. هذه الخطوة تُظهر أن المنطقة تشهد تحولات عميقة ليس فقط على المستوى العسكري بل أيضاً في إعادة ترتيب البنية الإدارية والخدمية.
بعد تسليم السلاح الثقيل، تسعى الحكومة السورية إلى ربط البنية الإدارية والخدمية في مناطق الشمال الشرقي بالمركز، وهو ما يظهر من خلال خطط تفعيل الخدمات الحكومية، مثل إعادة تشغيل محطة مياه علوك، وتحسين الوضع المعيشي في المناطق التي كانت تحت إدارة “قسد”. تُشير هذه الخطوات إلى أن الدمج لن يقتصر على البعد العسكري، بل سيشمل جميع جوانب الحياة اليومية للمواطنين في هذه المناطق.
توازنات دقيقة وتحولات استراتيجية
التطورات الأخيرة في شمال شرق سوريا تتزامن مع تحولات كبيرة على الصعيد الإقليمي والدولي. ففي السنوات الأخيرة، كانت مناطق “قسد” ساحة لتقاطع مصالح إقليمية ودولية. التغيير في موقف “قسد” سيكون له انعكاسات على هذه التوازنات، سواء داخلياً أو في علاقاتها مع القوى الإقليمية.
وكل خطوة في السياسة السورية تحمل معها بُعداً رمزياً عميقاً، حيث تسليم السلاح دون كاميرات قد يكون أكثر قوة من أي خطاب رسمي، لأنه يوحي بانتقال هادئ ومتدرج في المسار العسكري والسياسي. هذه الرمزية يمكن أن تؤدي إلى تغيير تدريجي في كيفية قراءة العلاقة بين المركز والأطراف، ويحدد ما إذا كانت هذه الخطوة ستؤدي إلى تكامل مستدام أو ستظل مجرد إجراء مرحلي.
يطرح ذلك عدداً من الأسئلة: هل نحن أمام نهاية تجربة “الإدارة الذاتية” العسكرية بصيغتها الحالية؟ أم أننا بصدد إعادة تعريف هذه التجربة ضمن إطار الدولة السورية؟ الخطوة الحالية لا تعني حتماً “نهاية الإدارة الذاتية” بل انتقالاً إلى صيغة جديدة، مع ضمانات ترتبط بمستقبل “قسد” كجزء من المنظومة العسكرية الرسمية للدولة السورية.
المراحل القادمة ستكشف عن كيفية هيكلة القوى العسكرية في الشمال الشرقي، وموقع القيادات الحالية في البنية الجديدة. كيف ستُضبط العلاقة بين المركز والمناطق ذات الخصوصية الإثنية والسياسية؟ هذه الأسئلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الخطوة بداية لاندماج مستدام، أم مجرد مرحلة عابرة في مسار طويل من التفاوض والتحولات السياسية.
ما يحدث في شمال شرق سوريا هو عملية تحول دقيقة ومدروسة، بالرغم من الصمت الذي يحيط بها. إن تسليم السلاح الثقيل ليس فقط خطوة عسكرية، بل هو جزء من تحول سياسي طويل الأمد. وبالرغم من غياب الاستعراضات الإعلامية، إلا أن ما يجري يعكس تحولاً جوهرياً في معادلة القوة في سوريا، من خلال دمج “قسد” ضمن المنظومة الحكومية السورية، وهو ما قد يشكل مرحلة جديدة في إعادة رسم الخريطة العسكرية والسياسية للبلاد.






















