في صباح الاثنين 23 شباط/فبراير 2026، بدا مشهد القوافل العسكرية المغادرة لقاعدة “قسرك” في ريف الحسكة الشمالي الشرقي أبعد من مجرد حركة لوجستية روتينية.
عشرات الآليات الأميركية الثقيلة، المحمّلة بالمعدات والجنود وأنظمة الرادار والأسلحة، غادرت تباعاً نحو إقليم كردستان العراق، في صورة تختصر لحظة سياسية تتخذ هيئة عسكرية صامتة. تقارير متعددة تحدثت عن بدء الولايات المتحدة تفكيك حضورها الميداني في واحدة من أكبر قواعدها داخل سوريا، مع الإبقاء المؤقت على وجود محدود قرب رميلان، ما فتح باب التأويل حول طبيعة المرحلة المقبلة ودلالات هذا التحول المفاجئ في الانتشار الأميركي شرق الفرات.
عاد خطاب تنظيم داعش إلى الواجهة عبر تسجيلات صوتية منسوبة إلى متحدثين باسمه تدعو إلى قتال الحكومة السورية وتبشّر بمرحلة عمليات جديدة.
لا يمكن قراءة الانسحاب بمعزل عن التبدلات التي شهدتها خريطة السيطرة في الشمال الشرقي خلال الأشهر الأخيرة. فتقدّم القوات الحكومية السورية إلى مناطق كانت تحت نفوذ قوات سوريا الديمقراطية، وتزايد الحديث عن ترتيبات دمج مؤسساتي بين الطرفين، أعادا تعريف الحاجة إلى قواعد أميركية ثابتة أُنشئت أساساً في سياق الحرب على تنظيم داعش ودعم الحلفاء المحليين. حين تتغير البيئة السياسية، يصبح الوجود العسكري عبئاً مكلفاً أكثر منه أداة نفوذ، وتتحول القاعدة من مركز عمليات إلى هدف محتمل في لحظة إقليمية مشحونة.
ولا يقتصر التحول على الشمال الشرقي؛ إذ إن الانسحاب من قاعدة التنف، الواقعة عند مثلث الحدود السورية العراقية الأردنية، يحمل دلالة استراتيجية خاصة. فالقاعدة التي شكّلت لسنوات نقطة مراقبة حساسة على طرق الإمداد البرية في البادية، كانت تمثل أيضاً رمزاً لحضور أميركي يراقب التوازنات بين دمشق وطهران وموسكو. ومغادرتها تعني عملياً إعادة موضعة دور الولايات المتحدة في الجنوب الشرقي السوري، وتقليص قدرة الضغط المباشر على خطوط العبور الإقليمية، كما تعكس انتقالاً من نموذج القواعد الثابتة إلى نموذج التدخل عن بُعد عبر الطيران والاستطلاع والشراكات الأمنية خارج الحدود السورية.
المعطيات المتداولة تشير إلى أن ما يجري لا يرقى إلى انسحاب من المسؤوليات الأميركية في سوريا بقدر ما هو إعادة تموضع في جغرافيا أوسع. فالقدرة على التدخل الجوي انطلاقاً من قواعد إقليمية لا تزال قائمة، والضربات بعيدة المدى تظل جزءاً من العقيدة العسكرية الأميركية التي تسعى منذ سنوات إلى تقليل الاحتكاك البري المباشر مع الحفاظ على التفوق الاستخباري والتكنولوجي. مغادرة الأرض لا تعني بالضرورة التخلي عن السماء، بل ربما تعكس محاولة لتقليل المخاطر من دون فقدان القدرة على التأثير.
في خلفية هذا التحول يبرز عامل إقليمي لا يمكن تجاهله، يتمثل في تصاعد التوتر المرتبط بالملف النووي الإيراني واحتمالات المواجهة المباشرة أو غير المباشرة في المنطقة. فالقواعد العسكرية الثابتة في بيئة ممتلئة بالصواريخ والطائرات المسيّرة تتحول إلى أهداف واضحة في أي تصعيد واسع، ولذلك يبدو تقليص عدد النقاط المكشوفة خطوة منطقية ضمن حسابات الحماية الاستباقية. نقل المعدات إلى مواقع أكثر تحصيناً خارج الأراضي السورية قد يحقق توازناً بين تقليل الخسائر المحتملة والإبقاء على القدرة العملياتية إذا تطورت الأزمة إلى مواجهة أكبر.
في الوقت نفسه، عاد خطاب تنظيم داعش إلى الواجهة عبر تسجيلات صوتية منسوبة إلى متحدثين باسمه تدعو إلى قتال الحكومة السورية وتبشّر بمرحلة عمليات جديدة. هذا التزامن الزمني بين إعادة التموضع الأميركي وتصاعد الخطاب الجهادي أثار تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو فراغ أمني يسمح للتنظيم بإعادة تنظيم صفوفه. والتنظيم، تاريخياً، يستفيد من لحظات الانتقال والارتباك المؤسسي أكثر مما يستفيد من المواجهة المباشرة، إذ يحوّل أي تغير في ميزان القوى إلى مادة دعائية تستهدف تجنيد عناصر جديدة وإحياء فكرة العودة إلى الأرض.
غير أن التزامن بين حدثين لا يعني بالضرورة وجود علاقة سببية مباشرة. ففكرة أن الانسحاب الأميركي تمهيد لحرب شاملة مع إيران، أو أنه يفسح المجال عمداً لعودة التنظيم الإرهابي، تبقى فرضية تحتاج إلى أدلة أقوى مما توفره الأخبار المتداولة. ما يمكن ملاحظته هو تقاطع مصالح في لحظة واحدة: واشنطن تسعى إلى تقليل المخاطر على قواتها وإعادة توزيع ثقلها العسكري، بينما يحاول داعش استثمار التحولات لتعزيز حضوره الإعلامي والميداني. النتيجة تبدو وكأنها خطة واحدة، لكنها قد تكون مجرد تفاعل بين مسارات مختلفة داخل مشهد إقليمي شديد التعقيد.
خروج القوات الأميركية من قواعد مثل التنف والشدادي والحسكة يضع شرق الفرات أمام معادلة أمنية جديدة، تتداخل فيها سلطة الدولة السورية مع شبكات محلية ودعم دولي غير مباشر. نجاح هذه المعادلة سيعتمد على قدرة الأطراف المحلية على بناء منظومة تنسيق فعّالة تمنع الفراغ الاستخباري الذي غالباً ما تستغله التنظيمات المسلحة. فمكافحة داعش لم تكن يوماً مسألة عسكرية صِرفة، بل شبكة معقدة من المعلومات الاستخبارية والبشرية والرقابة الجوية وإدارة السجون والمخيمات، وأي خلل في هذه الحلقة قد يفتح ثغرات يصعب سدّها سريعاً.
إعادة التموضع قد تكون خطوة وقائية ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليل الاحتكاك المباشر وإدارة الصراع عن بُعد، بينما يبقى مستقبل شرق الفرات رهناً بقدرة الأطراف المحلية والإقليمية على منع الانزلاق إلى فراغ أمني طويل.
وتحدثت تقارير أيضاً عن نقل آلاف المتهمين بالانتماء إلى التنظيم من مراكز احتجاز داخل سوريا إلى العراق، وهو تطور قد يفسر جانباً من استعجال إعادة ترتيب الانتشار العسكري قبل إغلاق القواعد نهائياً. إدارة ملف المعتقلين تشكل أحد أكثر عناصر المعادلة هشاشة، إذ يرتبط أمن المنطقة ليس فقط بالعمليات العسكرية، بل بقدرة المؤسسات على التعامل مع آلاف العناصر الذين يشكلون خزاناً بشرياً لأي عودة محتملة للتنظيم.
من زاوية أوسع، يبدو أن واشنطن تحاول الموازنة بين مسارين متوازيين: إبقاء باب التفاوض مع إيران مفتوحاً وتجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة غير محسوبة، وفي الوقت نفسه الاستعداد لأسوأ السيناريوهات عبر تقليل الأهداف القابلة للاستهداف. في عالم يتغير بسرعة، لم تعد القاعدة العسكرية القريبة ضمانة للسيطرة، بل قد تصبح عبئاً استراتيجياً، خصوصاً مع تطور تقنيات الضربات الدقيقة التي تسمح بإدارة العمليات من مسافات أبعد.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الانسحاب بوصفه لحظة انتقال أكثر من كونه نهاية مرحلة. فالولايات المتحدة تعيد رسم خطوط حضورها في سوريا في ظل تبدل التوازنات الداخلية وتصاعد الضغوط الإقليمية، في حين تحاول الأطراف المحلية ملء الفراغ بسرعة قبل أن يتحول إلى مساحة مفتوحة للفوضى. خطاب داعش الذي يرافق هذه التحولات يذكّر بأن الأرض التي تتغير فيها خطوط السيطرة تظل عرضة للارتدادات، وأن أي انسحاب لا يقترن ببناء منظومة أمنية بديلة قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من الاستنزاف.
الصورة العامة لا تشير بالضرورة إلى اقتراب حرب شاملة، بقدر ما تعكس محاولة لتجنبها، أو على الأقل تخفيف كلفتها المحتملة. إعادة التموضع قد تكون خطوة وقائية ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليل الاحتكاك المباشر وإدارة الصراع عن بُعد، بينما يبقى مستقبل شرق الفرات رهناً بقدرة الأطراف المحلية والإقليمية على منع الانزلاق إلى فراغ أمني طويل. لحظة الإخلاء تبدو، إذاً، اختباراً مزدوجاً: اختباراً لقدرة القوى الدولية على إعادة ترتيب أولوياتها دون فقدان السيطرة، واختباراً لقدرة البنية الأمنية السورية على منع عودة التنظيمات المتطرفة إلى المشهد، مستفيدة من أي ثغرة أو ارتباك في مرحلة التحول.
- تلفزيون سوريا





















