الحوار الثالث
المرأة السُّوريَّة في العهد الجديد:
من حارسه البقاء إلى شريكة السِّيادة وبناء الدَّولة مقدِّمةً:
الشَّريكة الأصيلة في معركة الكرامة:
بعد ستِّين عامًا من محاولات نظام الأسد اختزال دور المرأة في ” صورة دعائيَّة ” زائفة، واستخدام حضورها كقناع تجميليّ يخفي خلفه أبشع أنواع الانتهاكات والتَّهميش الممنهج، يجب على الدَّولة السُّوريَّة الجديدة أن تبرز المرأة السُّوريَّة (الَّتي فقدت أبًا وابنًا وأخًا وزوجًا) اليوم ليس كملحق بالدَّولة، بل كحجر زاوية في رؤية سوريا المستقبل إنَّ الحديث عن دور المرأة في العهد الجديد ليس ترفًا اجتماعيًّا، ولا مجرَّد استجابة لبروتوكولات دوليَّة، بل يجب أن يكون اعترافًا حقيقيًّا (حتَّى لو أتى متأخِّرًا) بجهودها الجبَّارة الَّتي كانت ” خطَّ الدِّفاع الأخير ” عن كينونة المجتمع السُّوريِّ في أحلك الظُّروف.
إنَّنا اليوم، وفي ظلِّ القيادة الجديدة، يجب ألَّا نمنح المرأة السُّوريَّة دورًا قياديًّا فقط، بل يجب أن نستعيد معها ” معركة البناء “، فبينما كانت الدَّولة غائبةً أو متوحِّشة كانت المرأة السُّوريَّة هي ” حارسة البقاء ” في المنافي وفي الدَّاخل، واليوم بعد أن تحرَّرت البلاد ومع بداية تشكيل المؤسَّسات يجب أن تنتقل المرأة السُّوريَّة العظيمة من حراسة الوجود إلى ” شراكة السِّيادة “.
إنَّ تمكين المرأة في مفاصل الدَّولة السُّوريَّة هو الضَّمانة الحقيقيَّة لتجاوز إرث البؤس والفقر، وهو الرَّكيزة الأساسيَّة لتحويل الدَّولة من سلطة تعتمد على ” الولاء للأفراد ” إلى مؤسَّسات تعتمد على ” عبقريَّة العقول “.
وثيقة شراكة وجدانيَّة بين المرأة السُّوريَّة والدَّولة الوليدة:
المرأة السُّوريَّة. . . سدنة الرُّوح وشريكة السِّيادة
أيَّتها الدَّولة الَّتي نفضت عن كاهلها غبار ستِّين عامًا من الزَّيف، اعلمي أنَّك لا تقفين على قدم واحدة، بل على ركيزتين متساويتين في الحقِّ والواجب والألم. إنَّ المرأة السُّوريَّة الَّتي يخاطبها العهد الجديد ليست تلك ” الصُّورة الدِّعائيَّة ” الَّتي كان النِّظام البائد يعلِّقها كستار يخفي خلفه أقسى أنواع الانتهاكات والتَّهميش، بل هي ” الشَّريكة السِّياديَّة ” الَّتي حمت بقاءً السُّوريِّين حين انفرط عقد المؤسَّسات، وهي الَّتي رتقت جراح الهويَّة حين تمزَّقت الخرائط.
أوَّلاً: الكفاءة لا المحاصصة. المرأة في قلب ” غرفة العمليَّات ” الوطنيَّة
يا قادة سوريا الجديدة، إنَّ وضع المرأة في مناصب القرار ليس ” منحةً ” تجميليَّةً، بل هو استحقاق تفرضه ضرورة النَّجاة والنُّهوض. إنَّ اختيار كفاءات نسائيَّة ( رغم عددها القليل)، ما هو إلا إعلان رسميّ عن نهاية عصر ” الولاءات الأمنيَّة ” وبداية عصر ” العقول الحقوقيَّة، ولكنَّ ذلك لا يكفي.
الرِّسالة للدَّولة:
لا تجعلين من وجود المرأة في حكومتك مجرَّد رقم في قائمة، بل اجعليها ” مهندسة العقد الاجتماعيِّ الجديد “. إنَّ تعيين سيِّدة بخلفيَّة دوليَّة وحقوقيَّة في (وزارة الشُّؤون الاجتماعيَّة والعمل كمثال) يجعل هذا المنصب الحسَّاس معني بتحويل الوزارة من ” مكتب لتوزيع الإعانات ” إلى ” مختبر وطنيّ ” لإعادة تأهيل الإنسان السُّوريِّ، وضمان عدالة سوق العمل، وترميم ما هدمته عقود المحسوبيَّة والفساد. إنَّ المرأة في حكومتك هي ” البوصلة ” الَّتي تضبط إيقاع المؤسَّسات وفق قيم الكرامة والنَّزاهة.
ثانيًا: درع ” الهويَّة الجامعة ” ضدَّ سموم التَّقسيم
خاطبي المرأة السُّوريَّة يا دولتنا بصفتها ” حارسة وحدة التُّراب “. ففي الوقت الَّذي تراهن فيه القوى الخارجيَّة — وعلى رأسها إسرائيل — على استغلال هشاشة اللَّحظة لدفعنا نحو الانتحار الطَّائفيِّ أو الانفصال (كما في محاولات سلخ السُّويداء) ، تقف المرأة السُّوريَّة كحائط صدّ وجدانيّ.
المرأة كصمام أمان سياسيّ:
إنَّ وعي المرأة السُّوريَّة هو الرَّادار الَّذي يكشف زيف الوعود الانفصاليَّة؛ فهي تدرك بحدسها الوطنيِّ أنَّ حقوق المكوِّنات وخصوصيَّة ” الجبل ” أو ” السَّاحل ” أو ” الشَّمال الشرقي” لا تحمى بالارتهان للخارج، بل بدولة مواطنة قويَّة تحتضن الجميع.
المرأة السُّوريَّة اليوم هي الَّتي تقود حوارات ” الصُّلح المجتمعيِّ ” في الأحياء والقرى، وهي الَّتي تفكِّك — بعاطفتها الواعية — الألغام الَّتي زرعها النِّظام السَّابق بين المكوِّنات لتمنع انفجار الوطن من الدَّاخل.
ثالثًا: رائدة الاقتصاد الصَّامد. . . اليد الَّتي تهزُّ السَّرير وتَبني المصنع
أيَّتها الدَّولة، بينما تبحثين عن استثمارات خارجيَّة، لا تنسي أنَّ أعظم استثمار ينمو الآن، هو في تلك البيوت الَّتي أدارتها النِّساء بحكمة الأنبياء في زمن القحط. لقد أثبتت المرأة السُّوريَّة أنَّها ” المحرِّك الأقوى للاقتصاد المحلِّيِّ ” حين غابت الدَّولة، وهي اليوم الجاهزة لتقود قطاع الإنتاج بعقليَّة ” التَّعافي المستدام “.
من الإعالة إلى الرِّيادة:
يجب على وزارة الشُّؤون الاجتماعيَّة والعمل، ومن خلال رؤيتها الجديدة ألَّا تنظر للمرأة كحالة إنسانيَّة تحتاج للمعونة، بل كطاقة معطَّلة تنتظر تحريرها من قيود التَّهميش، إنَّ تمكين المرأة اقتصاديًّا يعني ضخَّ ملايين العقول في سوق العمل، وتحويل ” الحِرف اليدويَّة ” و ” المشاريع الصَّغيرة ” إلى روافد قوميَّة تكسر حصار الفقر، المرأة السُّوريَّة هي الَّتي ستعلّمنا كيف نبني اقتصادًا ” أخلاقيًّا ” يحمي حقوق العمَّال ويقدِّس الإنتاج بعيدًا عن زبائنيَّة عهد الاستبداد.
رابعًا: سدنة الوجدان. . . معالجة جراح الحقبة الماضية
إنَّ ” معركة ترميم الرُّوح ” الَّتي تحدَّثنا عنها، تقف المرأة في خطِّها الأماميِّ. فمن غير الأمِّ السُّوريَّة، والزَّوجة، والأخت، والابنة، يمتلك القدرة على رتق الفتق الَّذي أصاب الوجدان الجمعيّ؟
تفكيك إرث الخوف:
المرأة هي الَّتي تقود اليوم مبادرات الدَّعم النَّفسيِّ والاجتماعيِّ بصمت جبَّار. هي الَّتي تحصَّن الأجيال القادمة من ” سموم الانتقام ” وتحوُّلها إلى ” طاقة بناء “. إنَّها الضَّمانة الوحيدة لعدم عودة ” الخلايا النَّائمة ” للفكر الشُّموليِّ؛ لأنَّها تبنِّي داخل كلِّ طفل سوريا حرًّا لا يقبل العودة إلى حظيرة الطَّاعة. هي الَّتي تداوي ” أهوال ” الحرب، محوِّلةً الألم السُّوريِّ من ثقب أسود يبتلع المستقبل إلى وقود يدفعنا نحو دولة القانون والعدالة.
خاتمة:
لا سيادةً لوطن يهان فيه نصفه
يا أيَّتها الدَّولة ويا مؤسَّسات العهد الجديد، إنَّ مقياس نجاحكم في عبور نفق البؤس والفقر ليس في أرقام النُّموِّ الفنِّيَّة فحسب، بل في مدى قدرة المرأة السُّوريَّة على المشي في شوارع بلادها وهي تشعر أنَّها ” صانعة السِّيادة ” وليست مجرَّد ضيف عليها تستقبلونها في المؤتمرات والنَّدوات والاحتفالات. لقد ولَّى زمن التَّهميش الممنهج الَّذي حاول كسر إرادة المرأة السُّوريَّة ليسهل كسر إرادة الوطن، وبدأ زمن ” الشَّراكة الكاملة “.
إنَّ اليد الَّتي هزَّت سرير الأجيال تحت القصف، هي اليد الَّتي ستمسك اليوم بمعول النَّهضة وبقلم التَّشريع.
سوريا اليوم، بقيادة مؤسَّساتها الجديدة، تعلن للعالم أنَّ كرامة المرأة هي جوهر سيادة الدَّولة، وأنَّ نهضتنا لا تكتمل إلَّا بجناحيها معًا. . .
رجل وامرأة، يحملان معًا عبء التَّاريخ، ويصنعان معًا مجد المستقبل.
- كاتب سوري


























