وسط مواقف رسمية داعمة ومتضامنة عبر عنها الرئيس الانتقالي في سوريا أحمد الشرع في اتصالات أجراها مع عدد من قادة دول الخليج، ومنددة في الوقت ذاته بالهجوم الإيراني عليها، عاش السوريون منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية الثانية على إيران خلال اليومين الماضيين حالة أشبه باللوحة السريالية بين محتفل بقتل مرشد الثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي، وشامت بما جنته هذه الدولة عبر تدخلاتها في الشأن السوري واصطفافها إلى جانب النظام البائد، وبين عالق في أزمة لا يدري إن كان سيحتفل بما يناله النظام الإيراني من دون أن يشمت به لأنه يتلقى الضربات من يد العدو التاريخي المتجسد في إسرائيل، أم سيحتفل وهو يشاهد الصواريخ الإيرانية تدك المدن والمستوطنات الإسرائيلية.
تضامن ودعوة للسلم
واستكمل الرئيس السوري الأحد اتصالاته مع قادة دول الخليج، وذكرت الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية على “تليغرام” أن الشرع اتصل هاتفيا مع كل من أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، بعد أن كان قد اتصل مع كل من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني السبت.
وبحسب صفحة الرئاسة فإن الاتصالات ركزت على بحث التطورات المرتبطة بالتصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وانعكاساته على أمن واستقرار المنطقة، وأكد خلالها الشرع تضامنه معهم، مبينا أن الاعتداءات الإيرانية على دولهم “تشكل تهديدا خطيرا لأمن واستقرار المنطقة”، مشددا على أهمية التضامن العربي ورفض سوريا القاطع لأي انتهاك للسيادة الدول العربية أو المساس بأمنها واستقرارها، وضرورة حل الأزمات الإقليمية عبر الوسائل السلمية والحوار.
وفيما يتعلق بمحادثاته مع السوداني ذكر البيان الرسمي السوري أن الجانبين أكدا أهمية تعزيز التنسيق والتعاون الأمني المشترك بما يحفظ أمن البلدين الشقيقين ويصون استقرار المنطقة، مشددين على ضرورة تغليب الحوار والحلول السياسية لتجنيب شعوب المنطقة مزيدا من التوتر والتصعيد.
تداعيات اقتصادية
وانعكست الحرب الدائرة، وفي جانب منها ضمن الأجواء السورية، سلبا على الأوضاع الداخلية المعيشية للمواطنين، فدفعت، وسط أزمة غلاء متفجرة منذ بداية شهر رمضان، إلى مزيد من الارتفاع في أسعار المواد الاستهلاكية مع تراجع في قيمة الليرة السورية أمام الدولار.
دفعت الحرب إلى مزيد من الارتفاع في أسعار المواد الاستهلاكية مع تراجع في قيمة الليرة السورية أمام الدولار
وطالبت غرفة تجارة دمشق من الحكومة السورية التحرك لتدارك الأوضاع، وأصدرت في هذا الخصوص بيانا عبرت فيه عن “قلقها البالغ” من حالة الاكتظاظ والتكدس الحاصلة على الحدود السورية-الأردنية، وما يرافقها من تعطل في انسياب الشحن وحركة العبور، معتبرة أن استمرار القيود التنظيمية المتبادلة على دخول الشاحنات في هذا التوقيت الحساس يفاقم الضغط على المعابر ويهدد سلاسل الإمداد، ويرفع الكلف على التجار والناقلين، ويعرض حركة التبادل التجاري لمخاطر غير محسوبة.
وأصدرت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في السادس من الشهر الجاري قرارا كانت منعت بموجبه دخول الشاحنات والبرادات الأجنبية إلى سوريا على أن يتم استبدال البضائع المستوردة والمصدرة عند المنافذ الحدودية، دعما لأكثر من 30 ألف مالك شاحنة سورية تمنعها دول الجوار من الدخول إليها، ووفق مبدأ المعاملة بالمثل، لكن القرار ساهم في تكدس آلاف الشاحنات القادمة وخصوصا من الأردن ولبنان، وزاد من نفقات الاستيراد والتأمين، ما انعكس بارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية وخصوصا مع بداية رمضان.
وطالبت غرفة تجارة دمشق في بيانها الذي نشرته عبر صفحتها على “فيسبوك” أصحاب القرار في سوريا والأردن بضرورة المعالجة العاجلة والمرنة لهذا الملف، واتخاذ إجراءات استثنائية مؤقتة تضمن انسيابية الحركة وتخفف التكدس بما يتناسب مع طبيعة المرحلة ومتطلباتها.
وبهدف إعادة التوازن لسوق لحوم الدجاج التي تضاعفت ثلاث مرات عما كانت عليه قبل شهر تقريبا، سمحت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير في الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية بإعادة استيراد الدجاج الحي خلال شهر رمضان، وأبقت على منع استيراد المجمد منه والبطاطا خلال شهر آذار/مارس، وتمديد فترة السماح باستيراد مادة بيض الفقس وصوص التربية حتى نهاية آذار.
الاقتصادي والخبير المصرفي عامر شهدا اعتبر أنه ليس المهم مقتل خامنئي ونهايته، إنما “الأهم التداعيات التي تنتظرنا، ولا أعتقد أننا سنكون مسرورين لأن إيران بدأت بتقطيع شرايين إمدادات الطاقة وإغلاق مضيق هرمز”، ملمحا إلى احتمال أن توجه إيران ضربات إلى منابع النفط أو، بأقل تقدير، البنى التحتية للقطاع النفطي، لأن الراديكاليين في طهران لن يسلموا بلادهم ونظامهم دون ثمن سيدفعه العالم أجمع بما فيه أمريكا.
واعتبر أن سوريا ذات الاقتصاد الهش الذي اعتمد على الاستيراد سيكون التأثير عليها كبيرا مع تضخم قيمة المستوردات وارتفاع سعر برميل النفط، ما يعني رفع تكلفة النقل والإنتاج بمقدار 65%، مطالبا بعض السوريين الذين يحتفلون بموت خامنئي بألا تصفقوا ابتهاجا للحظة، إنما انظروا إلى أين ذاهبون، ولن نكون مسرورين، مطالبا بتوفير أسعار الألعاب النارية من الفرحين، ومؤكدا أن الأمر ليس إحباطا إنما واقع سنعيشه قريبا.
وسجلت الليرة السورية الأحد تراجعا إضافيا أمام الدولار في سوق الصرف المحلية عند مستوى 11900 ليرة قديمة، مواصلة رحلة بدأت مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، ومع استمرار العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران سيطرت حالة من القلق على الأسواق المحلية، ما أدى إلى قفزات في أسعار السلع الأساسية مدفوعة بارتفاع تكاليف التحوط والمخاوف من انقطاع سلاسل التوريد.
معارك جوية
أصوات أسراب الطائرات الحربية المتجهة إلى إيران، أو أصوات الانفجارات الناجمة عن تصدي المضادات الجوية الإسرائيلية للصواريخ الباليستية الإيرانية أو للطائرات المسيرة، لم تغب عن كامل المنطقة الجنوبية بمحافظاتها الخمس، العاصمة وريفها ودرعا والسويداء والقنيطرة، بل وصولا إلى محافظة دير الزور وسط البلاد.
وانتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تصور الانفجارات في أجواء سوريا الجنوبية، كما انتشرت مقاطع فيديو لبقايا الصواريخ الإيرانية التي سقطت في العديد من البلدات بعد التصدي لها من الدفاعات الإسرائيلية، وبعض المقاطع كانت تصور أطفالا وهم يلعبون ببقايا الصواريخ أو يجرونها، كما أدى سقوط هذه البقايا إلى إصابات وحالات وفيات، وتحدثت الأخبار عن سقوط طائرات مسيرة إيرانية في قرية خربة غزال، وفي بلدة الكتيبة وبلدة عقربا شمالي درعا، وحالات مشابهة في السويداء وريف القنيطرة.
وعلى الرغم من كل التحذيرات أظهرت مقاطع فيديو فتية يلهون ببقايا صواريخ إيرانية سقطت في أكثر من بلدة سورية.
وفي الإطار ذاته أعلنت وزارة التربية والتعليم تعليق الدوام المدرسي في جميع المدارس الواقعة في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء من يوم الأحد وحتى إشعار آخر.
أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني تمديد إغلاق المجال الجوي في سوريا أمام جميع حركة الطائرات، إضافة إلى إغلاق كافة المطارات السورية أمام عمليات الإقلاع والهبوط، وذلك لمدة 24 ساعة
كما أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني تمديد إغلاق المجال الجوي في سوريا أمام جميع حركة الطائرات، إضافة إلى إغلاق كافة المطارات السورية أمام عمليات الإقلاع والهبوط، وذلك لمدة 24 ساعة اعتبارا من الساعة 00:00 صباح يوم الأحد 1 آذار 2026، بتوقيت دمشق، وأنه خلال فترة الإغلاق سيتم متابعة التطورات بشكل متواصل وعلى مدار الساعة، على أن يعلن عن أي مستجدات أو قرارات لاحقة عبر القنوات الرسمية المعتمدة فور صدورها، بما يضمن سلامة الحركة الجوية في أجواء الجمهورية العربية السورية.
وأعلنت الخطوط الجوية السورية في وقت سابق إلغاء جميع الرحلات الجوية المجدولة من وإلى مطاري دمشق وحلب الدوليين حتى إشعار آخر، داعية المسافرين إلى عدم التوجه إلى المطار للرحلات الملغاة.
والتعامل الدبلوماسي الأجنبي مع الأوضاع اختلف بين دولة وأخرى، فعلى حين أكد السفير التركي في دمشق نوح يلماز أن النشاط الدبلوماسي والقنصلي في سوريا مستمر رغم الظروف الصعبة، أعلنت السفارة الأمريكية في سوريا الأحد عدم قدرتها على تقديم أي خدمات قنصلية روتينية أو طارئة للمواطنين الأمريكيين داخل الأراضي السورية.
وأوضحت عبر منصة “إكس” أن جمهورية التشيك تعمل كقوة حامية للمصالح الأمريكية في سوريا، داعية المواطنين الأمريكيين الذين يحتاجون إلى مساعدة طارئة ولا يمكنهم الوصول إلى قسم المصالح الأمريكية في السفارة التشيكية إلى التواصل مع سفارة الولايات المتحدة في عمان للحصول على الدعم اللازم.
ساحة جدل
صفحات التواصل الاجتماعي، وكعادتها، كانت ساحة جدل كبيرة، وجسدت التوجهات على مستوى الشارع بين نقيضين، ووصل بالبعض إلى نشر صور على “قصتهم الشخصية” لمقتل رجل دين شيعي على شكل جرذ في إشارة إلى خامنئي. كما استغرب أحمد، وهو ناشط على “فيسبوك”، مدى رخص المواطن العربي بحيث تقوم إسرائيل باعتراض الصواريخ الإيرانية فوق أجواء الدول العربية المحيطة بها قبل أن تصل إلى أجوائها، حتى لا يؤدي سقوط بقايا الصواريخ إلى خسائر بين مواطنيها، وإن أدى إلى خسائر بين مواطني الدول العربية.
بدوره تساءل الناشط والصحافي سركيس قاصرجيان عن عدم كون نهاية رئيس النظام السابق بشار الأسد مشابهة لغيره، وقال إن ترامب قام باغتيال نصر الله وخامنئي، وقبله اعتقل مادورو، ولكن الوحيد الذي “نفد بريشه” هو بشار الأسد، فهل كان هروبه إلى موسكو شطارة منه أم امتيازا أمريكيا لقاء خدمة ما؟
الناشطة الحقوقية سلوى زكزك عبرت عن سعادتها الكبيرة “برحيل الطغاة، لكن كنت أتمنى موتهم على أيدي الشعب، وكنت أتمنى ألا يكلف موتهم كل هذه الخسارات المدنية والإنسانية وكل هذا الرعب وإغلاق بوابات العالم”.
وتابعت: “يبدو أن الحكم بالحديد والنار صار عادة، لكن يهزني نفاق هؤلاء القادة، فيحكى أن بنات بعض قياداتهم بلا حجاب وأعراسهم كانت مختلطة، بينما قتلت الشابة مهسا أميني على يد منفذ أحمق للأوامر فقط لأنها أزاحت غطاء رأسها، ليثبت طاعته العمياء”.
أما المحامي والحقوقي السوري فواز الخوجة، وهو قومي التوجه، فقال إنه لا يحب إيران ولم يتمن يوما أن تنتصر، ولكنه في المقابل يمقت دولة العدو إسرائيل ويكره حتى ذكرها ويتمنى أن يأتي يوما ينام ويصحو ويراها أثرا بعد عين، وتابع: لن أتمنى للحظة ضعف أن ينتصر الكيان، ولن أتمنى للحظة أن يحقق هدفه، وإيران دولة لم تكن يوما صديقة وذقنا منها الأمرين وبرقبتها ألوف من شهدائنا. ولكن الكيان هو عدو أبدي وهو قاتل جزار حاقد، وغريب الموقف الذي نحن فيه، وغريبة هي أيامنا، ولكن لن أتمنى للحظة أن ينتصر كيان غاصب، وليفهم البعض قصدي كما يشاء.
الصحافي محي الدين لاذقاني كتب على صفحته على “فيسبوك” مستائلا: لا أعرف أين كان هؤلاء الذين يحاضرون بالأخلاق والأدب على الشعب السوري لأنه فرح بالخلاص من سفاح إيراني دعم مخلوع موسكو بكل أسلحة إيران وشرها المستطير؟
وتابع: أين كان هؤلاء عن الأخلاق حين كان الحرس الثوري وحزب الله والميليشيات العراقية يفتكون بأمره بالشعب السوري أربعة عشر عاما، وهم صامتون؟ فهل كنا كفار قريش؟ وألم يكن الشعب السوري المسلم يباد أمام أعينهم ويتم تشريده في كل بقاع الأرض بإشراف المرشد المقبور؟
وخلص إلى أن الأخلاق حزمة متكاملة، ليست سوق خضار تنتقي منه ما تريد، وما دمت لم تكن أخلاقيا على مدار سنوات من المقتلة السورية، فلا حاجة لأن تبرر جبنك ونذالتك وصمتك الخسيس باسم الأدب والأخلاق.
- القدس العربي


























