بعد مرور عام على انعقاد مؤتمر الحوار الوطني في دمشق، في شباط/فبراير 2025، لا يزال الجدل محتدماً حول طبيعة هذه المحطة السياسية: هل كانت نقطة تحول فعلية في مسار سوريا الجديدة، أم مجرد لحظة رمزية فرضتها ضرورات المرحلة؟
وبين التوقعات العالية والواقع المعقد، تتداخل الأسئلة حول العدالة الانتقالية، البنية الدستورية، السلم الأهلي وصلاحيات الهيئة المستحدثة.
ويرى مدير مركز الحوار السوري للدراسات أحمد القربي، في حديثه لـ”المدن”، أن مؤتمرات الحوار الوطني في تجارب ما بعد النزاعات، كما في تونس واليمن، لم تكن فعاليات عابرة، بل مسارات امتدت لأشهر طويلة، وأحياناً لسنة أو أكثر، وفق تعبيره.
ويوضح أنه، بالمقارنة، فإن المؤتمر السوري وإن جاء في لحظة مهمة، كان مأمولاً أن يؤسس لمسار حواري مستمر، لا أن يظل حدثاً مؤطراً زمنياً. ويشير إلى أن الإدارة السورية الجديدة أعلنت آنذاك أن المؤتمر هو بداية لمسار طويل سيُبنى عليه لرسم مستقبل البلاد، غير أن تحويل هذا التعهد إلى ممارسة مؤسسية ما يزال قيد الاختبار، بحسب كلامه.
العدالة الانتقالية بين النص والتطبيق
أحد أبرز الملفات التي طرحت خلال المؤتمر كان إنشاء هيئة وطنية للعدالة الانتقالية وأخرى للمفقودين. غير أن السؤال المركزي، بحسب القربي، لا يتعلق بوجود الهيئات شكلياً، بل بمدى تمتعها بصلاحيات حقيقية واستقلالية قانونية.
وحتى الآن لم يصدر القانون الناظم لعمل الهيئتين، ما يجعل الحكم على فعاليتهما سابقاً لأوانه. ويحذر القربي من أن العدالة الناقصة قد تفتح الباب أمام انفجارات اجتماعية مستقبلية، إذ إن العدالة الانتقالية لا تختزل بالمحاسبة الجنائية فقط، بل تشمل كذلك جبر الضرر، وضمانات عدم التكرار، والإصلاح المؤسسي، وتخليد ذكرى الضحايا.
ويؤكد القربي أن التركيز الحالي ينصب بشكل حصري على ملف المساءلة، مع بطء واضح في الإجراءات، غالباً ما يبرر بعدم اكتمال الإطار التشريعي أو غياب مجلس شعب منتخب يتولى سن القوانين اللازمة.
في المقابل، يلفت القربي إلى أن ثمة خطوات تأسيسية جرت بالفعل، من بينها حل المؤسسة العسكرية السابقة والأجهزة الأمنية، إضافة إلى حل حزب البعث وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية. إلا أن هذه الإجراءات، رغم رمزيتها العالية، لم تستكمل ببناء مؤسسي واضح المعالم، إذ لم تباشر هيئة العدالة الانتقالية أو هيئة المفقودين عملهما بصورة عملية حتى الآن.
غياب التقرير التفصيلي
من النقاط المثارة أيضاً عدم صدور التقرير التفصيلي للجنة التحضيرية للمؤتمر بعد عام على انعقاده. ويستبعد القربي أن يكون السبب تقنياً بحتاً، مرجحاً ارتباط التأخير بتطورات سياسية معقدة، فوثيقة الحوار بما تضمنته من آراء وتوجهات متعددة، تمثل مرجعية عامة يفترض طرحها للنقاش المجتمعي الواسع.
غير أن حالة الاستقطاب الحادة، لا سيما بعد أحداث السويداء وإعلاق ملف قسد، أسهمت في تضييق الفضاء العام، ما جعل طرح الوثيقة للنقاش الشامل أمراً مؤجلاً.
من جانبه، يضع الباحث السياسي أحمد زيتون، المؤتمر في إطار أوسع، معتبراً في حديثه لـ “المدن”، أنه شكّل لحظة رمزية عالية الدلالة، لكنه لم يتحول بعد إلى نقطة تحول فعلية. ويشير إلى أن التحول لا يقاس بالخطابات، بل بمدى انتقال الأفكار إلى برامج، والبرامج إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى نتائج قابلة للقياس.
وبطرح زيتون سلسلة من الأسئلة الجوهرية: لماذا لم ينشر التقرير التفصيلي؟ هل تحولت البنود الثمانية عشر إلى مرجعية ملزمة؟ وهل جاء الإعلان الدستوري استجابة لروح الحوار أم بقرار فوقي؟
كما يلفت زيتون الانتباه إلى مفارقة لافتة تمثلت في تسارع الانفتاح الدبلوماسي مقابل بطء التفعيل المجتمعي، معتبراً أن الشرعية الدولية لا يمكن أن تعوض عن الشرعية الداخلية المستندة إلى مشاركة مجتمعية حقيقية.
وفي ما يتعلق بالعدالة الانتقالية، يؤكد زيتون أن معيار الجدية لا يكمن في الإعلان عن الهيئات، بل في صلاحياتها وميزانيتها واستقلاليتها، إضافة إلى نشر تقارير دورية تتضمن مؤشرات قابلة للقياس، مثل عدد الملفات المعالجة، وحجم التعويضات، ومستوى رضا المتضررين، وفق رأيه.
يضاف إلى ذلك ملف السلم الأهلي وتمثيل المرأة والمجتمع المدني، إذ يرى زيتون أن تراجع تمثيل المرأة من نسبة 25% في جلسات الحوار إلى 4% في البرلمان، هو مؤشر سلبي، يعكس فجوة بين الخطاب والممارسة.
كما أن عمل منظمات المجتمع المدني بمحاذاة الدولة لا بالتكامل معها، يشير إلى أزمة ثقة تتجاوز الخلافات التنظيمية، بحسب زيتون.
أولوية الأمن قبل الحوار؟
وفي السياق، يرى الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط محمد جلال العلي، في حديثه لـ “المدن”، أن الحوار الوطني في بلدان ما بعد النزاع يعد استحقاقاً شعبياً ضرورياً، لكنه لا يمكن أن ينجح في ظل السلاح المنفلت.
ويعتبر العلي أن حصر السلاح بيد الدولة شرط أساسي قبل إطلاق مسارات حوار موسعة، لأن النقاش في بيئة غير مستقرة قد يعيد إنتاج الانقسام بدلا من معالجته.
ويشير العلي إلى أن المشهد السوري في مطلع عام 2025، كان شديد التعقيد، مع وجود مشاريع تقسيم وأجنحة عسكرية وسياسية ذات ارتباطات خارجية، إضافة إلى عزلة دولية، وتدهور مؤسسات الدولة، ولذلك كانت الأولوية، وفق وجهة نظره، لتوحيد الجغرافيا وبسط الأمن، ما يفسر الطابع السريع والمقتضب للمؤتمر الأول.
غير أن العلي يحذر في سياق حديثه، من تحويل هذا الاستحقاق إلى إجراء شكلي، داعيا إلى إنشاء آليات وبرامج حوار دائمة تمهد لمرحلة ما بعد الانتقالية، وتسهم في تعزيز العدالة الانتقالية من خلال جبر الضرر والمحاسبة العلنية وضمان عدم التكرار.
ويقترح العلي دمج ملف السلم الأهلي وهيئة المفقودين ضمن هيئة العدالة الانتقالية لضمان الاتساق وسرعة التنفيذ، وأن تكون آليات الحوارتحت مظلة مجلس الشعب بعيدا عن السلطة التنفيذية، احقيقاً للحياد.
هل نحن أمام مشروع وطني متكامل؟
في المحصلة، يرى خبراء ومحللون سوريون، أن مؤتمر الحوار الوطني بعد عام على انعقاده، لم يتحول بعد إلى مشروع وطني مكتمل الأركان، لكنه أيضا لم يفقد إمكاناته التأسيسية، إذ أن تأثيره المباشر على الحياة اليومية للمواطن ما يزال محدودا، في ظل أعباء اقتصادية ومعيشية ضاغطة تجعل النقاشات الدستورية ترفاً لدى شرائح واسعة، حسب رأيهم.
ومع ذلك، يتفق المتحدثون، رغم اختلاف مقارباتهم، على أن المسار لا يُقاس بعام واحد، فالانتقال السياسي عملية معقدة تتطلب إدارة منهجية، وتوازناً بين متطلبات الاستقرار الأمني وبناء الشرعية المؤسسية، وبين الانفتاح الدبلوماسي وتعميق المشاركة المجتمعية.


























