آخر ما كانت تنتظره سورية وسلطة الرئيس أحمد الشرع، هذه الأيام، أن تندلع حرب إقليمية كبيرة قريبة من حدودها، تشنّها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي ضدّ إيران، وتنشغل بها الدول العربية إلى أبعد الدرجات، وربّما تنخرط فيها انخراطاً كاملاً، فتدير ظهرها للملفّات السورية وتضعها في آخر سلّم أولوياتها. يحدث هذا الأمر وسورية لم تدخل بعد طور التعافي، على الرغم من مرور سنة وأربعة أشهر على إسقاط نظام الأسد، وتولّي حكومة قوية ومتجانسة إدارة البلاد. وبينما كانت هذه الحكومة تعوِّل على هذه الدول، وعلى الطرف الأميركي، أن يأخذوا بيدها من أجل تحقيق النهوض الاقتصادي، وحلّ العديد من مشكلات البلاد، وجدت نفسها تقف وحيدةً أمام هذه المشكلات، بعد تحييدها الداخل وقواه السياسية والاجتماعية عن أيّ دور يمكن أن يساهم به في ذلك السياق.
وقد كان واضحاً من الأيام الأولى لتولّي سلطة الشرع مقاليد الحكم في دمشق، توجّهها إلى الخارج لطمأنته بدايةً حول توجّهاتها الجديدة المغايرة لتوجّهات هيئة تحرير الشام السابقة، وثانياً للحصول على الشرعية، خصوصاً عبر التقرّب من دول الخليج العربي والولايات المتحدة ودول الغرب. وعوَّلت على هذا الخارج في تعزيز حكمها، وفي حلّ بعض مشكلاتها المالية آنياً، كذلك على وساطة الدول العربية لرفع العقوبات الأميركية عنها. وقد ساعدتها تلك السياسة في إنهاء عزلة البلاد عن الخارج، وفي الاندماج في النظام الدولي شيئاً فشيئاً، والتفاوض مع الصناديق الدولية والمموّلين للحصول على القروض والمساعدات، وجلب الاستثمارات من أجل عملية النهوض، بعد 14 عاماً من الحرب والدمار وضعضعة بنية المجتمع السوري.
وفي المقابل، عانى الداخل إهمالاً واضحاً لمصلحة الاهتمام بالخارج، ولم تستطع السلطة التوفيق بين المسارَين، من أجل تسويق نفسها خارجياً، وحلّ المشكلات الداخلية، والبتّ في الملفاّت العالقة. ومن تلك الملفّات ما يتعلّق بالقضايا المصيرية من قَبيل موضوع التسوية السياسية لتحقيق الاستقرار الأمني عبر الانتهاء من ظاهرة السلاح المتفلت، والانتهاء من ملفّ اندماج الفصائل المسلّحة في الجيش وقوى الأمن الداخلي. كذلك ملفّ العدالة الانتقالية لحلّ مشكلة السجناء والمعتقلين والمغيّبين، ووقف الانتهاكات بحقّ الأقليات والتحريض الطائفي والعنصري، وتدعيمه بالعمل على ملفّ المصالحة الوطنية. ولا تقلّ عن تلك المهمات ضرورةً مهمة إكمال تأسيس مجلس النواب، والتحضير لصياغة دستور دائم، والشروع بقضية الإصلاح الإداري والاقتصادي ومكافحة الفساد.
إحساسٌ لدى فئة واسعة من أبناء الشعب أن الحكومة تسعى لوقف المؤسّسات الإنتاجية، ربّما بسبب العجز عن إصلاحها
لقد أجَّلت السلطة موضوع تأسيس جيشٍ قويٍّ ومحترف طوال الفترة الماضية، يكفل انخراط جميع أبناء الشعب السوري، من كافة الأطياف الدينية والقوميات فيه، ويتبنّى استراتيجية دفاعية واضحة تستجيب للتحّديات. ولم تستغل السلطة فرصة الاحتضان الكبير الذي تلقته من الدول العربية، فلم تسارع في إنهاء مهمة حلّ الفصائل المسلحّة لإدماجها في ذلك الجيش، ليكون بإمكان تلك الدول تقديم المشورة والمساعدة في إعادة تأسيسه. وقد جاء اليوم الذي ظهر فيه مدى خطأ التأخّر في إتمام هذه المهمة، مع هذه الحرب المتوقّع لها أن تستمرّ فترة أطول، وأن تتّسع أكثر فتنخرط فيها دول عربية، وربّما قوى إقليمية. وإذا حصل هذا الأمر، فلا يمكن استبعاد حصول قلاقل في دول الجوار السوري، العراق ولبنان، وبالتالي التأثير في الداخل السوري، وربّما عودة الحركات التي كانت تنادي بالانفصال، في شرقي البلاد وجنوبها، وأيضاً في الساحل، إلى محاولة العمل على تحقيق حلمها، مستغلّةً الانشغال الأميركي والدول العربية بالحرب، وحال الفوضى التي يمكن أن تسود في إيران خصوصاً.
أهملت السلطة الملفّ الاقتصادي لدرجة كبيرة وغير متوقّعة، وفي هذا السياق لم تتبنَ سياسةً واضحةً لإصلاح هذا القطاع وإعادة بناء مقوّماته من صناعة وتجارة وزراعة. كما لم تعتمد نهجاً اقتصادياً واضحاً لإدارته، فهي تعمل تارّةً في تعزيز القطاع العام وتزيد نسبة العاملين عبر تعيينات جديدة بلا مسابقات أو إعلانات توظيف. ما يعطي انطباعاً أنها ستستمرّ في تبنّي خيار القطاع العام، قطاعاً أساسياً في البلاد. وتارّةً أخرى تعمل في إيقاف عدة مؤسّسات إنتاجية عن العمل وتسريح عمالها، عملاً بنهج اقتصاد السوق وبيع قطاع الدولة. وكانت قد أظهرت مُبكِّراً وبالممارسة سعيها لتبنّي هذا النهج عبر رفع الدعم عن السلع الأساسية والخبز والمحروقات، إضافة إلى رفع تعرفة الكهرباء عشرات الأضعاف.
الحكومة التي لا تبدأ في مشروع الإصلاح الاقتصادي، ستجد نفسها وحيدةً تواجه التحدّيات المعيشية
وإذا كانت ستظهر بعض التداعيات بسبب إهمال تلك الملفّات، خصوصاً الملفّ الاقتصادي، فإنّ تلك التداعيات ستتضاعف مع الحرب الجارية، وستتفاقم أكثر إذا ما تفاقمت الحرب وتوسّعت واستمرّت فترةً طويلة. فالحكومة التي لم تبدأ في مشروع الإصلاح الاقتصادي، ستجد نفسها وحيدةً تواجه التحديات المعيشية نتيجة إهمال هذه القضية أولاً، وإمكانية انقطاع المساعدات من الدول العربية ودول أخرى بسبب الحرب. وسط هذه المخاوف، تكوَّن إحساسٌ لدى فئة واسعة من أبناء الشعب أن الحكومة تسعى لوقف المؤسّسات الإنتاجية، ربّما بسبب العجز عن إصلاحها، واللجوء إلى البديل المتمثّل في الاستيراد. وتكرَّس هذا الشعور مع انتشار الأنباء على نطاق واسع حول إيقاف معمل تاميكو عن العمل وإغلاقه، وهو المؤسّسة الكبيرة التي كان يقع على عاتقها مهمة صناعة النسبة الأكبر من الدواء في البلاد. وكانت قبل ذلك أوقفت معمل الغزل والنسيج في جبلة وسرّحت عماله، وهي خطوة اتسمت بالغموض وغياب المبرّرات.
في ظلّ هذه المعطيات، وما يمكن أن يستجدّ من معطيات أخرى غير متوقّعة بسبب الحرب، تحتاج السلطة في دمشق لأن تراجع خياراتها كافّة، وأن تبتّ في جميع الملفّات التي يمكنها البتّ بها. فهي لا تمتلك رفاهية الوقت، كما أن التحدّيات تحتّم عليها سرعة اتخاذ القرار والبدء أولاً بالتصالح مع شعبها الذي أهملت قضاياه فظهرت طوابير الخبز والغاز في مختلف المدن، على سبيل المثال، نتيجة ذلك الإهمال. فخطوة تحصين الداخل تبدأ بالإنسان، ولأنّ دول كثيرة، أهملتها نتيجة رفضها تحقيق مطالب أبناء شعبها، أصابتها الهشاشة وبدت ضعيفةً وقابلةً للانكسار عند أول عاصفة، أقلّ قوةً من العاصفة التي تضرب منطقتنا هذه الأيام.
- العربي الجديد


























