في وقتٍ لم يستعدّ فيه العالم لهذا المستوى من الجنون والاستقطاب، وجدَ الشرقُ الأوسط نفسه فجأةً غارقاً في مواجهةٍ مفتوحةٍ تقودها إسرائيل وأميركا ضدّ إيران، التي يبدو أنها تحرق الأوراق كلّها دفعة واحدة. في هذا المشهد، تتجلّى سورية مثالاً صارخاً على أنّ الحروب لا تُقاس فقط بمن يُطلق الرصاصة الأولى، بل بمن يتحمّل ارتداداتها الأطول أمداً. هي المتحوّلة منذ عام 2011 مطبخاً سرّياً لمشاريع إقليمية ودولية، ترى نفسها، مجدّداً، في موقع بالغ الحساسية؛ فهي ليست طرفاً مباشراً في أيّ مواجهة محتملة، لكنها من أكثر الساحات تأثّراً فيها. تقف في قلب تداعيات الحدث على خطّ تماس جيوسياسي خطِر: موقعها، تحالفاتها، هشاشتها الاقتصادية، تعقيد نسيجها الاجتماعي… كلّها عوامل تجعلها عرضةً لارتدادات أيّ زلزال إقليمي طارئ.
إلى جانب ذلك، تبقى الذريعة الإسرائيلية قائمةً وفاعلة، فقد أعلن جيش الاحتلال، خلال الأشهر الماضية، القبض على ما وصفها بـ”خلايا تابعة لفيلق القدس الإيراني” داخل الأراضي السورية، مدّعياً أنها كانت تخطّط لتنفيذ عمليات ضدّ إسرائيل. غير أنّ هذا الخطاب يمكن قراءته ضمن سياقٍ استراتيجي وإعلامي أوسع، تُوظَّف فيه بؤر الفوضى المحلّية لإعادة إنتاج سردية أمنية خبيثة، بغرض تضييق الخناق على سورية (الشريان الحيوي للنفوذ الإيراني في المشرق سابقاً)، كما تسوّق فكرة وجود خطر أمني دائم يستدعي بقاء إسرائيل متأهّبة؛ فرواية “الخلايا النائمة” تُنتج إطاراً أمنياً دائرياً لا ينتهي، يعزّز فكرة أنه حتّى في غياب وجود عسكري إيراني مباشر، فإنّ طهران ما زالت قادرةً على تهديد إسرائيل من البوابة السورية.
استخدمت إسرائيل “التهديد الإيراني” سبباً لتوسيع نشاطها العسكري في سورية، وما زالت تستثمر هذه اللغة لصياغة أرضية معقولة لاستباحة مزيد من أراضي الجنوب السوري
ما سبق كلّه لا يمكن فصله عن السياق الاستراتيجي للحرب الحالية ضدّ طهران؛ لتحشيد مبرّرات مستمرّة لاجتياح المنطقة وإعادة بلورتها، وليس بالضرورة انعكاساً للواقع الموضوعي القائم حالياً. وما يجعل لهذا السرد وزناً خطيراً خلفيته السياسية والدوافع التكتيكية المحتمَلة، فإسرائيل التي لطالما استخدمت “التهديد الإيراني” سبباً لتوسيع نشاطها العسكري في سورية، ما زالت تستثمر هذه اللغة الأمنية لصياغة أرضية معقولة لاستباحتها مزيداً من أراضي الجنوب السوري، خصوصاً أنّ قراءات وتحليلات مستقلّة تفيد بأنّ التوترات المستدامة في سورية انعكاسٌ طبيعي لتنافس جيوسياسي يشمل لاعبين كُثراً يسعون إلى ملء الفراغ الهائل الذي خلّفه خروج إيران. لا يظهر هذا التنافس المحموم فقط من خلال الألاعيب الأمنية، بل عبر مشاريع النفوذ، وموارد وممرّات استراتيجية، وأيضاً عبر التحوّلات السياسية الداخلية في الدول المجاورة.
غير أنّ خروج لاعب بحجم إيران من سورية يفتح باباً للسؤال: من ملأ هذا الفراغ؟ هل تعزّز الحضور الروسي؟ هل تمدّدت قوى محلّية؟ هل وسّعت تركيا نفوذها شمالاً، وضمنتْ إسرائيل الجنوب السوري؟ أم إنّ البلاد دخلت مرحلة توازن هشّ بين قوى متنافرة؟ ففي أزمنة الحروب الإقليمية، يغدو الفراغ أخطر من الاصطفاف الذي يمنح هُويّةً واضحةً للخصوم والحلفاء، بينما الفراغ يجذب الطامحين، ويحوّل الأرض ساحةَ اختبارٍ لإرادات متنافسة. وإذا اعتُبرت سورية منصّةً لوجستيةً أو سياسيةً داعمة للجهد الأميركي، فقد تصبح هدفاً لردّات فعل غير تقليدية. وإذا حاولت الابتعاد، فقد تُتَّهم بالازدواجية من هذا الطرف أو ذاك. عموماً، لا يكمن الخطر هنا فقط في الاقتصاد أو الأمن، بل في المزاج العام. هل يشعر السوريون بأنّ بلادهم خرجت أخيراً من لعبة المحاور؟ أم إنّ الحرب الجديدة تعيدهم إلى مربع القلق القديم؟
بالتساوق مع ما تقدّم، يبدو أنّ تخفيف الولايات المتحدة حضورها العسكري في سورية سحب معه جزءاً من ميزان الردع الذي كان يضبط إيقاع الاشتباك بين القوى المتزاحمة على الأرض. وجودها في الشرق وعند التنف لم يكن تفصيلاً عسكرياً، بل خطّ فاصل بين حسابات متعارضة: طموح إيران في العودة، حلم إسرائيل في تسيّد المنطقة، مساعي دمشق إلى توحيد البلاد، والحسابات التركية شمالاً… إلخ. ومع أيّ تقليص، يتبدّل الإيقاع، وتتسع هوامش الحركة، وتصبح الرسائل النارية أكثر جرأة، لأنّ العين التي كانت تراقب وتكبح لم تعد بالحدّة نفسها.
بطبيعة الحال، الفراغ لا يعني حتماً حرباً شاملة، أحياناً يُولد من الانسحاب توازن جديد، تتقاسم فيه القوى الفاعلة أدوار الردع، وتُعاد صياغة قواعد الاشتباك بطرق غير معلَنة. وأحياناً أخرى يتحوّل الغياب إلى دعوة مفتوحة لاختبار الحدود، فتتكاثر الضربات الموضعية ويعلو منسوب المخاطرة. فعلياً، الربط بين الانسحاب وفتح الساحة للمواجهات ممكن، لكنه ليس قدراً ميكانيكياً؛ إنه احتمالٌ يختبر قدرة الأطراف على إنتاج ردع بديل، أو انزلاقها إلى وهم أنّ اللحظة صارت بلا سقف. ومع ذلك، فمسار الانسحاب لم يُقفل بالكامل بعد؛ ما حدث هو تفكيك تدريجي، لا مغادرة فجائية، تاركاً وراءه فراغاً يُعيد طرح سؤال التوازن في سورية، لا بوصفه سؤال سيادة فقط، بل سؤال من يملأ المساحات التي كانت حتّى الأمس تحت عين واشنطن.
عملياً، تحاول قيادة “سورية الجديدة” التخلّص من الإرث الثقيل المرتبط بتاريخها الجهادي، لشرعنة دورها في ملء الفراغ. يأتي ذلك مع تحوّل لافت في موقف مجلس الأمن الذي رفع العقوبات عن هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، قبيْل بدء الحرب على إيران. غير أنّ الدلالة الأهم لا تكمن في التوقيت وحده، بل في السياق الذي سبق هذه الخطوات ومهّد لها. إذاً، نحن أمام لحظة إقليمية تُعيد هندسة موازين القوى بين دول ومحاور، وتسمح لفصائل مصنفة سابقاً في قوائم الإرهاب بالتحرّك الاستراتيجي داخلياً من دون أن تُتهم بانتهاك قرارات أممية. بمعنى آخر، يمثّل القرار تحضيراً دبلوماسياً للقفز فوق الفوضى القديمة، بحيث تصبح سورية أكثر استعداداً لاستيعاب ارتدادات غليان الإقليم، وتحويلها من كيان معزول إلى أداة مشروعة لضبط المناطق والحدود، ما يسمح بتقليل أيّ تأثير محتمل لحلفاء إيران في الجوار الملتهب.
لحرب الدائرة اليوم ليست مجرّد مواجهةٍ عسكرية؛ إنها لحظة إعادة تعريف للمنطقة
لكن هذه الإزالة لا تعني تحوّلاً أيديولوجياً مُثبتاً بقدر ما تعكس براغماتيةً سياسيةً: عندما تتبدّل الأولويات، تتبدّل معها التعريفات السياسية، وأحياناً تُخفَّف القيود عن فاعلين كانوا مُدانين دولياً، إذا بدا أنهم قابلون للاحتواء أو لإعادة التوظيف ضمن معادلة جديدة، خاصّةً مع تصاعد التوتر مع طهران الذي يفتح باب التأويل بأنّ ثمّة سعياً لإعادة استثمار الساحة السورية عبر ضبط العلاقة مع الفاعلين المحلّيين، فالتقارير تشير إلى أنّ المجال الجوي السوري استُخدم بالفعل في العمليات العسكرية، سواء لاعتراض إسرائيل لصواريخ إيرانية، أو لعبور بعض الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أدّى إلى سقوط حطام في الأراضي السورية. هكذا يصبح القرار، إنْ ثبت بتفاصيله، جزءاً من لوحة أشمل عنوانها “ترتيب المسرح قبل العاصفة”، لا تبرئة تاريخية ولا مصالحة كاملة، بل إعادة تموضع تكتيكي في لحظة إقليمية شديدة السيولة.
نافل القول إن الحرب الدائرة اليوم ليست مجرّد مواجهةٍ عسكرية؛ إنها لحظة إعادة تعريف للمنطقة بأسرها. وسورية، التي خرجت توّاً من عباءة إيران، تجد نفسها أمام مفترق طرق. يمكنها الانزلاق مجدداً إلى مستنقع صراع المحاور لتغدو ساحةَ تصفية حسابات. ويمكنها، في المقابل، أن تغتنم الفرصة لتكريس سياسة توازن وحياد نسبي، تعيد عبرها بناء مكانتها الإقليمية، فتتحوّل للمرّة الأولى إلى دولةٍ تحاول النجاة بعقل بارد في زمن الجنون العالمي.
- العربي الجديد
























