تحضر الملفات الإنسانية أكثر في واجهة مشهد تنفيذ الاتفاق بين دمشق و”قسد” (قوات سوريا الديمقراطية)، بهدف دمجها والمؤسسات التابعة لها في الدولة، بينما ما تزال الملفات الأكثر حساسية، وهي العسكرية والأمنية، بلا مقاربات واضحة، ما يعكس ربما استمرار الخلاف على الآليات. وشهد ملف المهجرين تقدماً قد يؤسس لطيّ هذا الملف الإنساني الذي استعصى على الحلول في السنوات الفائتة، إذ نقلت، أمس الاثنين، خمسون حافلة أرسلتها الحكومة السورية من حلب 400 عائلة مهجرة من محافظة الحسكة إلى منازلهم في عفرين بريف حلب الشمالي الغربي، بعد سنوات من إقامتهم في مدن وبلدات وأرياف محافظة الحسكة، وفي مراكز الإيواء المؤقتة. ونقلت شبكات إخبارية محلية عن المتحدث الرسمي باسم الفريق الرئاسي لمتابعة تنفيذ بنود الاتفاق مع “قسد”، أحمد الهلالي، أن هذه هي الدفعة الأولى، وستكون هناك دفعات أخرى لعودة نازحي عفرين إلى منازلهم.
دفع لحل ملف المعتقلين
وتولي الحكومة السورية ملف المعتقلين اهتماماً كبيراً، بحسب المبعوث الرئاسي لمتابعة تنفيذ الاتفاق مع “قسد” العميد زياد العايش، والذي نقلت عنه وسائل إعلام محلية الأحد الماضي قوله إن الفريق الرئاسي يعمل على إعداد قوائم بأسماء المعتقلين في سجون “قسد”. وفي السياق، أعلنت إدارة منطقة رأس العين في محافظة الحسكة أنها بدأت أمس الاثنين العمل على جمع بيانات المعتقلين لدى “قسد”، وإعداد قوائم اسمية تتضمّن الاسم الثلاثي للمعتقل، ومكان الاعتقال، وتاريخه، بهدف متابعة الحالات وتوثيقها بدقة. ولدى قوات “قسد” عدد غير معروف بدقة من المعتقلين من المناطق التي كانت تسيطر عليها في ريف حلب ومحافظات الرقة، ودير الزور، والحسكة.
ويبدو أن دمشق و”قسد” تحاولان حلّ الملفات الإنسانية المتعلقة بالمهجرين والمعتقلين، ودمج المؤسسات الخدمية والإدارية قبل حسم مصير الجانبين العسكري والأمني وهما الأكثر تعقيداً وتشابكاً، فعدم التوصل إلى تفاهمات قابلة للصمود قد يفجّر الموقف برمته ويعيد الأوضاع في شمال شرقي سورية إلى مربع التصعيد والتوتر. وفي مطلع الشهر الحالي نقلت مديرية إعلام الحسكة عن زياد العايش قوله بعد اجتماع عقده مع قائد “قسد” مظلوم عبدي إنه ستُدمج ثلاثة ألوية عسكرية من قوات “قسد” ضمن الفرقة 60 في الجيش السوري، مشيراً إلى أنه ستُفتح الطرق المؤدية إلى مدينة الحسكة من خمسة محاور، باستثناء الطريق الدولي “ام 4″، وذلك إلى حين استكمال تأمينه بشكل كامل.
وكانت السلطات السورية قد توصلت مع “قسد” إلى اتفاق في 31 يناير/ كانون الثاني الماضي لإنهاء حالة النزاع والصدام العسكري، نصّ على وقف إطلاق النار وانسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، فضلاً عن دمج قوات “قسد” في المنظومة العسكرية الحكومية. وبدأ تطبيق جوانب من الاتفاق على الفور، ففي مطلع فبراير/شباط الماضي، دخلت بالفعل قوات من الأمن العام التابع للحكومة إلى مدينتي الحسكة والقامشلي تنفيذا للاتفاق الذي عُيّن بموجبه نور الدين أحمد عيسى (تابع لـ”قسد”)، محافظاً للحسكة في فبراير الماضي. وبدأت الحكومة الأسبوع الماضي عملية استجرار النفط الخام من حقول رميلان والسويدية، بعد تسلمها من “قسد”، التي سلّمت قبل أيام معبر سيمالكا الحدودي مع إقليم كردستان العراق.
تنفيذ بطيء لاتفاق دمشق و”قسد”
وتعليقاً على سير تطبيق اتفاق دمشق و”قسد” قال رئيس المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية، مضر الأسعد، وهو أحد وجهاء محافظة الحسكة، في حديث مع “العربي الجديد”، إن الاتفاق “يسير ببطء شديد”. وتابع: “حتى اللحظة لم يستطع المهجرون قسراً من القبائل العربية العودة إلى الحسكة والقامشلي وهم يقدرون بالآلاف، بينما عاد الكثير من الإخوة الأكراد إلى مناطقهم التي نزحوا منها”. وأشار إلى أن “قوات قسد تحاول فرض أمر واقع خصوصاً في الجوانب الأمنية والعسكرية”، موضحاً أن “قوات الأمن العام التابعة للحكومة لم تنزل حتى اللحظة إلى الشارع في الحسكة والقامشلي”، ومضيفاً أن السيطرة الكاملة ما تزال بيد قوات قسد، وعمليات الاعتقال والاغتيال مستمرة.
مضر الأسعد: حتى اللحظة لم يستطع المهجرون قسراً من القبائل العربية العودة إلى الحسكة والقامشلي
كما أشار إلى أن “قوات قسد قامت بتعفيش أغلب المؤسسات الحكومية، وحقول النفط”، مضيفاً: “الدخول والخروج من مدينة الحسكة يتم عن طريق التهريب”. وقال الأسعد، الموجود في منطقة الشدادي جنوب الحسكة، إن هناك آلاف المعتقلين لدى قوات “قسد”، وإن “الوضع سيئ في الحسكة والقامشلي ومعبدة وعامودا والدرباسية والمالكية، وعمليات التهريب ما تزال مستمرة عبر الأنفاق ما بين الحدود السورية العراقية”. وطالب الحكومة بـ”إجراء تقييم للاتفاق”، مضيفاً كذلك: “هناك استياء لدى المكون العربي الذي يشكل غالبية السكان من محافظة الحسكة”.
كادار هوزان: عملية الدمج الكامل لم تكتمل بعد بسبب مواقف متشددة من دمشق
في المقابل، رأى مدير مؤسسة “كرد بلا حدود”، كادار هوزان، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن عملية الدمج الكامل لم تكتمل بعد “بسبب مواقف متشددة من دمشق”، مضيفاً أن “هناك خطوات لم تُنفّذ حتى اللحظة فالحصار ما يزال مفروضاً على مدينة كوباني (عين العرب)، ولم يتم إطلاق الأسرى والمعتقلين وجثامين الشهداء، ولا نعلم سبب المماطلة من قبل دمشق”. وأشار هوزان، الموجود في القامشلي، إلى أن “تفعيل دوائر الدولة ما يزال في البدايات”، مشيراً إلى أن “هناك حالة احتقان شعبية بسبب موضوع الأسرى والشهداء”، ومضيفاً: “كل الخطوات ناقصة ولم تكتمل”.
- العربي الجديد






















