بعد مداولات غير مباشرة واجتماعات متعثرة، أعلن مجلس خبراء القيادة في إيران انتخاب مجتبى خامنئي مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية، خلفاً لوالده علي خامنئي الذي تولى الموقع في سنة 1989 خلفاً للإمام الخميني وبقي فيه حتى اغتياله بضربة جوية خلال الساعات الأولى للحرب الراهنة الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران.
وثمة اعتبارات إشكالية تكتنف هذا القرار، قد يكون في رأسها أنه يعطي إشارة مقلقة لشرائح واسعة داخل المجتمع الإيراني عموماً، ثمّ للفريق الإصلاحي أو ما تبقى منه داخل مؤسسات السلطة الحاكمة خصوصاً، بالنظر إلى أن مجتبى يمثل خطاً متشدداً ومحافظاً في مسائل سياسية واجتماعية واقتصادية ودينية. كما أن نفوذه يرتكز أساساً على ما يُسمى بـ”الدولة العميقة” داخل معمار النظام ومؤسساته، خاصة في أجهزة الاستخبارات والحرس الثوري والجيش، فضلاً عن تيارات التشدد في مجلس الخبراء ذاته، ومجلسي صيانة الدستور وتشخيص مصلحة النظام.
اعتبار ثانٍ إشكالي مصدره تقارير عديدة راجت مراراً مع أطوار اعتلال صحة خامنئي، أو خلال حرب الـ12 يوماً الإسرائيلية ـ الأمريكية ضد إيران في حزيران/ يونيو السنة الماضية، وأفادت بأنه سمى عدداً من المرشحين لخلافته ولم يكن ابنه مجتبى بينهم. فإذا صحت تلك المعلومات، فالأرجح أن تقديرات المرشد الأعلى كانت تشير إلى مخاطر تكريس مبدأ التوريث، المناقض لتعاليم الإسلام، والمتعارض مع عرف سائد تمثل أصلاً في اختيار خامنئي خلفاً للخميني وليس ابن الأخير أحمد الخميني.
اعتبار ثالث يخص مؤهلات مجتبى خامنئي تحديداً، إذْ تنص شروط اختيار مرشد أعلى جديد على مواصفات حاسمة في رأسها تمتعه بالشخصية الدينية كأن يكون في مرتبة آية الله مثلاً، وبالمقدرة الفقهية للبتّ في مسائل شائكة تخص الدين والاجتماع، وكذلك حيازته كفاءة إدارية تخوّله النظر في مشكلات الحكم والدولة. ولأنّ مجتبى خامنئي لا يتمتع بهذه الاشتراطات، إذ كان رجل الظل لوالده ولم يشغل أيّ منصب حكومي أو إداري أو فقهي، فإن انتخابه يرسل هنا أيضاً إشارة قوية على المساس بقاعدة الرجل المناسب في المكان المناسب.
وليس خافياً، في ضوء هذه الاعتبارات أو ما يماثلها، أن مجتبى خامنئي كان خيار مراكز القوة في “الدولة العميقة”، وكان بمثابة تصويت على سياسات داخلية وإقليمية ودولية متشددة اعتمدها المرشد الأعلى الراحل، ولا يُنتخب ابنه اليوم إلا على سبيل الاستمرار فيها أو إعادة إنتاجها. وإذا كان صحيحاً من حيث المبدأ أن مؤسسات الحكم في إيران هي المخولة دستورياً بانتخاب قياداتها بصرف النظر عن الصواب والخطل في قراراتها، فإن الأصح المقابل هو أن الرئيس الأمريكي لا يملك البتة أي حق في استلاب هذه الصلاحية.
ومع التبدلات العميقة التي شهدتها المنطقة وتشهدها تباعاً، خصوصاً لجهة انحسار نفوذ “محور الممانعة” في لبنان وسوريا خصوصاً، فإن تصعيد شخصية محافظة ومتشددة يثير قلق الشارع الشعبي الإيراني الطامح إلى الإصلاح والتغيير، ومن الطبيعي أن يقلق أيضاً على نطاقات إقليمية ودولية.
- القدس العربي

























