لم يكن خافياً على أحد أنّ الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران ستتحوّل سريعاً من صراع ضيّق ومحدود إلى أزمة إقليميّة معقّدة ومتشابكة. أصبحت المعركة في إيران ومن حولها اختباراً لتوازنات الإقليم ومصالح اللاعبين الكبار، ومؤشّراً إلى مواجهة تحديد معالم “اليوم التالي”، الذي سيُعاد فيه رسم خرائط النفوذ والأمن والسياسة والاقتصاد في المنطقة.
كيف سيظهر الإقليم بعد الحرب؟ ما موقع إيران ودورها في التوازنات الجديدة؟ كيف ستتغيّر المعادلات وربّما الخرائط بعد ذلك؟ ما خيارات إيران وحدود قدرتها على حماية موقعها ودورها الإقليميّ؟ ما هو موقف اللاعبين المؤثّرين في ملفّات الإقليم ونظرتهم إلى مستقبل ما يجري؟
خرجت تطوّرات المشهد العسكريّ والسياسيّ حول إيران من شرنقة أزمة عسكريّة محدودة تعيشها المنطقة إلى نواة مواجهة عابرة للحدود تهدّد أمن واستقرار الإقليم بأسره .
لن تعود إيران في “اليوم التالي” لاعباً يهدّد الإقليم ويستهدفه، بل ستصبح قوّة مُهدَّدة ومُستهدَفة، دولة تنزف بعدما فقدت مقوّمات قوّتها داخليّاً وخارجيّاً، يطاردها كابوس ما زرعته في المنطقة، تسعى إلى احتواء تداعيات ما تسبّبت به واسترداد ما خسرته من نفوذ ودور إقليميَّين بين الركام. وهذا ما يضعها أمام اختبار حماية ما بقي لها من مصالح ونفوذ ومستقبل سياسيّ وأمنيّ في النظام الإقليميّ المقبل .
البحث عن قنوات تواصل
سيترك مشهد ما بعد الحرب إيران أمام أوضاع سياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة صعبة، إلى جانب ضغوط المجتمع الدوليّ، واستحالة البحث عن الاستقرار المنشود بسهولة وسرعة. قد تكون فرصتها الوحيدة في البحث عن قنوات تواصل مع من حاربتهم لأسابيع وربّما لأشهر، بعدما فرّطت بفرص العروض المقدّمة من قبل جيرانها في المنطقة.
لن تعود إيران في “اليوم التالي” لاعباً يهدّد الإقليم ويستهدفه، بل ستصبح قوّة مُهدَّدة ومُستهدَفة
على القيادة الإيرانيّة الخروج من عزلة إقليميّة ودوليّة قد تفرضها مواقف وسياسات أميركيّة–غربيّة وربّما إقليميّة، وأيضاً التعامل مع الداخل الإيرانيّ المغاير والمتمرّد على من أوصله إلى هذا الواقع.
ستحتاج طهران إلى إعادة تقويم تحالفاتها، وتحديد موقعها ضمن أكثر من محور واصطفاف لم يعطِها ما تريد. ستعمل على إعادة تشكيل صورتها واستعادة مكانتها بين اللاعبين الإقليميّين والدوليّين.
ستواجه إيران وسط الترتيبات الإقليميّة الجديدة معضلة حماية سيادتها وتماسكها والدفاع عن مصالحها الإقليميّة، لكنّ الثمن قد يكون الانفتاح على مسارات دبلوماسيّة جديدة تصل إلى تفعيل قنوات التواصل مع خصومها وأعدائها للخروج من ارتدادات ما ينتظرها.
لن تكون إيران في معادلات ما بعد الحرب لاعباً يتأثّر بما يجري وحسب، بل أمام اختبار حقيقيّ لقدرتها على إعادة التموضع داخليّاً وخارجيّاً واستعادة دورها الإقليميّ في مواجهة قيود الحرب والتحوّلات المرتقبة.
من سيملأ الفراغ؟
في الوقت نفسه، سيظلّ الفراغ الاستراتيجيّ الذي ستتركه إيران يطاردها لسنوات نتيجة معضلة إعادة رسم مسار التوازنات الإقليميّة وتحديد اللاعبين الذين سيتحرّكون لملء هذا الفراغ .
استيعاب مرحلة ما بعد الحرب هو مفتاح فهم المشهد الإقليميّ والتحوّلات المرتقبة في موازين القوى. لكنّ القيادة الإيرانيّة ستجد صعوبة بالغة في سعيها إلى الخروج من مأزقها بأقلّ الخسائر والأضرار .
تحاول واشنطن من خلال الحرب مع إيران بالتنسيق مع تل أبيب، استكمال عمليّة إعادة رسم توازنات الإقليم وفق العودة إلى نظام الأحاديّة القطبيّة الذي فقدته في مطلع التسعينيّات. مع ذلك، لم تكتمل بعد مسألة الحسم، إذ إنّ اللاعبين الآخرين المؤثّرين في المنطقة مثل تركيا، المملكة السعوديّة ومصر، إلى جانب روسيا والصين، لم يعلنوا مواقفهم النهائيّة بعد .
ما يتشكّل في الإقليم قد لا يكون عودة كاملة إلى الأحاديّة القطبيّة، بل مرحلة انتقاليّة من توازنات جديدة تجمع بين النفوذ الأميركيّ المباشر وتفاهمات إقليميّة تحاول القوى الكبرى الأخرى فرض حضورها من خلالها.
لن تكون إيران في معادلات ما بعد الحرب لاعباً يتأثّر بما يجري وحسب، بل أمام اختبار حقيقيّ لقدرتها على إعادة التموضع داخليّاً وخارجيّاً
المعادلات معلّقة
ستظلّ معادلات ما بعد الحرب معلّقة حتّى تحسم مواقفَها القوى الكبرى التي تتلاقى وتتباعد أهدافها وطموحاتها في رسم خارطة النفوذ المقبلة، ويصبح “اليوم التالي” معياراً لاختبار قدرة كلّ لاعب على التذكير بحصّته .
شهدت المنطقة في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 مرحلة مفصليّة مع تصاعد الحرب في غزّة، وهو ما أعاد ترتيب الأولويّات الإقليميّة للعديد من اللاعبين. بعد سنتين ونصف تقريباً، جاء 28 شباط 2026 ليشكّل حلقة استكماليّة في رسم ملامح النفوذ في الإقليم. جاء التركيز هذه المرّة على الملفّ الإيرانيّ، لتصبح معادلات ما بعد الحرب اختباراً حقيقيّاً لاستراتيجيات وقدرات اللاعبين الكبار والإقليميّين على تحديد موازين النفوذ المقبلة .
مع استكمال المشهد الإيرانيّ، يظلّ موقف اللاعبين الكبار مثل روسيا، الصين، تركيا، المملكة السعوديّة، ومصر حجر الزاوية في تحديد معالم الملفّ الإيرانيّ. ما سيعلنه هؤلاء من مواقف سيساهم بشكل مباشر في رسم خارطة النفوذ المقبلة. تحالفاتهم، تباين مصالحهم، ورغبتهم في إعادة ترتيب موازين القوى ستكون عوامل حاسمة تحدّد قدرة إيران على إعادة تموضعها واستعادة نفوذها الإقليميّ ودورها المؤثّر في المنطقة.
تتجاوز مسألة إعادة ترتيب الإقليم بعد الحرب تقويم نتائج ما حدث، فالكثير من الدول ستعيد النظر في تحالفاتها ومصالحها عبر ساحة اختبارات سياسيّة وعسكريّة واقتصاديّة متجدّدة. ستبرز تحالفات مبتكرة، تفاهمات ذات طابع مغاير، ومواثيق ومعاهدات بديلة، في محاولة من كلّ طرف لتثبيت موطئ قدم مؤثّر في شرق أوسط يشهد فراغاً استراتيجيّاً إيرانيّاً ينتظر من يملؤه .
صورة إيران بعد الحرب
كيف ستعيد إيران بناء صورتها الإقليميّة واسترداد الثقة مع جيرانها بعد الضربات التي تلقّتها ووجّهتها؟ هل تعيد صياغة استراتيجية الردع أم تسعى إلى فرص جديدة للانخراط في صفقات واتّفاقيّات سياسيّة وأمنيّة تحافظ على حضورها في المشهد الإقليميّ؟
ستظلّ معادلات ما بعد الحرب معلّقة حتّى تحسم مواقفَها القوى الكبرى التي تتلاقى وتتباعد أهدافها وطموحاتها في رسم خارطة النفوذ المقبلة
ما سيحدّد ذلك ليس نجاح إيران أو فشلها فقط، بل شكل التوازنات المقبلة في الإقليم. السيناريو الأكثر ترجيحاً يشير إلى انكماش نفوذها الإقليمي، مع ترك واشنطن تحدّد خارطة معادلات ما بعد الحرب، في ظلّ تقاطع استراتيجيّ يحول دون إحتفاظ إيران بما كانت تملكه قبل الصراع .
لن يعتمد النجاح الاستراتيجيّ في التعامل مع الترتيبات الإقليميّة المقبلة بالنسبة لإيران على محاولة فهم ما سيحدث فقط، بل على قدرتها في الوصول إلى ضمانات طمأنة بعد تقديم التنازلات الكافية والمرضية .
لن تكون إيران في معادلات ما بعد الحرب لاعباً يتأثّر بما يجري وحسب، بل ستكون أمام اختبار حقيقيّ لقدرتها على إعادة التموضع داخليّاً وخارجيّاً واستعادة دورها الإقليميّ في مواجهة قيود الحرب والتحوّلات المرتقبة. في الوقت نفسه، سيتحوّل الفراغ الاستراتيجيّ الذي ستتركه إيران في الإقليم إلى المحرّك الرئيس لتوازنات “اليوم التالي”، إذ سيحاول كلّ لاعب إقليميّ ودوليّ ملء هذا الفراغ بما يخدم مصالحه ويرسم خطوط التوازن الإقليميّ وفق توافقاته مع القوى الكبرى.
- أساس ميديا



























