العالم كلّه ليس بخير، وسورية ليست بخير أيضاً. صحيحٌ أننا لسنا في جزيرة معزولة في منجاة من الحمم التي يطلقها بركان عالمي يندلع من أكثر من فوّهة، لكنّ المخيف أننا نفقد ما بقي لدينا من مناعة وقوّة على مقاومة الانهيار. نحن لسنا ضمن مدى الحمم الحارقة فحسب، إنّما نحن نسير فوق فوالق الزلازل أيضاً، بمعنييها الجيولوجي والرمزي، نحن مجتمع هشّ حدّ الانهيار حتى من هبوب الريح.
قبل آلاف السنين، قال أرسطو إن الفرد المعزول عن الجماعة الإنسانية منذ صغره لا يصبح إنساناً. وبالنسبة إلى أرسطو وأفلاطون، الضرورة هي ما يدفع البشر إلى العيش في جماعات. فهل الضرورة هي التي جمعت هذه المجموعات البشرية على مرّ التاريخ في سورية، البلاد العريقة، فمرّت هذه القرون كلّها من دون أن يصبح الفرد فيها إنساناً، ومن دون أن تكون لديها القدرة على العيش المشترك في هذا العصر؟ عصر حقوق الإنسان والحضارات فائقة التقدّم والذكاء الاصطناعي؟ حالنا اليوم يضرم في نفوسنا الشكّ في تاريخنا. كانت فرحة السوريين شاملة وعامرة بسقوط نظام الاستبداد بعد سنوات القتل والدمار والتهجير، وحلموا ببناء مستقبل يتمتّع فيه كلّ فرد بإمكانية تحقيق ذاته والتعبير عن نفسه إنساناً، والمساهمة في عالم أكثر عدلاً وازدهاراً. أليس من حقّ كلّ سوري، ليس الحلم فحسب، بل تحقيقه؟
لا يستطيع مواطنون سوريون كثيرون الوصول إلى العدالة، ولا إلى ما يضمن أمنهم وحقوقهم
إذا أمعنا النظر في الواقع السوري، فكم عدد مفاتيح البناء التي يمتلكها المجتمع السوري اليوم؟ مفاتيح، كلّ واحد منها يزاحم على المرتبة الأولى في الأهمية. هل التعليم، الذي يُعدّ الأساس الذي يُبنى عليه مستقبل المجتمعات، معافى؟ وهل هناك توجّه أو نيّة لدى أصحاب القرار في تطوير مهارات محدّدة تتناسب مع الاحتياجات المحلّية، في وقت تعاني فيه البلاد الندرة في كلّ شيء، على الرغم من ارتفاع نسبة البطالة بين جيل الشباب، وتوافر الموارد البشرية بشكل كبير؟ وهل هناك تسهيل أو دعم للتمويل الصغير، والأسواق، والتدريب، والأراضي، وخلق بيئة تنظيمية مواتية يمكن للمجتمعات المحلّية معها تحويل إمكاناتها إلى واقع اقتصادي يساهم في تلبية بعض الحاجات؟ وماذا عن البنى التحتية الأساسية، مثل الكهرباء والمياه الصالحة للشرب والاتصالات والطرقات وغيرها؟ أمّا البيئة فهي تصرخ بعد ما نالها نتيجة الحرائق والحروب والتلوّث بأشكاله الكثيرة.
مجتمع يقوم من تحت وطأة حرب استمرّت عقداً ونصف عقد، لديه جراحٌ كثيرة مفتوحة، ولا أمن ولا أمان في واقعه الجديد. تصدّع أذنيه على طول النهار عبارات تشبه “العدالة الانتقالية”، بينما يتفاقم الشعور بالظلم وعدم الإنصاف وغياب العدالة، ليس الانتقالية فحسب، بل العدالة بمفهومها الشامل. فمواطنون كثيرون لا يستطيعون الوصول إليها، ولا إلى ما يضمن أمنهم وحقوقهم. هذا ما بات مشهداً شائعاً بين السوريين: انعدام الأمن في مختلف الميادين، فالجريمة تنمو وتتغوّل في المجتمع، والأخطر أنها في قسم كبير منها جرائم مبنية على التنافر الديني والطائفي والقومي، بل جرائم قائمة على النوع، يسهّلها انعدام المساواة والعدالة القائمين على النوع. فمكانة المرأة في المجتمع تتقلّص باطراد، وتُدفع النساء إلى زوايا مهمّشة، فيتعرّضن لشتى أنواع التمييز والعنف والاضطهاد والقتل والانتهاك (غالباً على أساس طائفي)، من دون محاولة جادّة لكشف الجرائم ومحاسبة الجناة.
هذا كلّه وغيره كثير، ممّا يزيد في عطالة المجتمع، بينما أصحاب القرار مشغولون بقضايا ترمي إلى ضبط المجتمع وفق قوانين وتشريعات تزيد من الانقسام، وتساهم في تحريض مكوّنات الشعب بعضها ضدّ بعض. تتلاحق التشريعات والقوانين، العامة أحياناً، وعلى مستوى بعض المحافظات أحياناً أخرى، ترمي إلى تكريس حالة اجتماعية بقيادة سلطوية يتحالف فيها القانون مع سلطة الدين ورجاله، لتعليم الناس بـ”القوة” كيف تكون الأخلاق والقيم، وكيف يكون السلوك الشخصي، وما هي حدود الحرية الفردية التي باتت تضيق وتضيق حتى لا يبقى منها شيء. فمن التدخّل في لباس المرأة أو وضعها مساحيق التجميل، إلى التدخّل في مهنة الطبيب، فلا تجوز ممارسة الرجال طبّ النساء، وأخيراً منع بيع الكحول حرصاً على الأخلاق العامة، وحصر بيعها في زجاجات بمناطق تسكنها أغلبية مسيحية، من دون مراعاة ما يحمل هذا الحصر من إهانة لمجموعة بشرية تنتمي إلى هذا البلد. هذا بعض من مظاهر سلطوية تتعاظم، ويُدفع المجتمع ليكون حارساً وممارساً لها، بالتزامن مع ترسيخ ثقافة “الأغلبية” و”الأقلية” التي مُزّق المجتمع بموجبها، وأحقية هذه المجموعة التي تنصّب نفسها باسم “الأغلبية” على تشكيل “شرطتها” الحارسة للآداب العامة والقيم والأخلاق، مع كل ما ينجم عن هذا الأداء من إهانة لباقي مكوّنات المجتمع، ومحو ملامح أساسية من الهُويّة الثقافية التاريخية لهذه المنطقة وطمسها، عوضاً عن تعزيز الثقافة والهُويّة المحلية لكلّ جماعة وحمايتهما، بما يقوّي النسيج الاجتماعي، ويفجّر الطاقات الكامنة، ويساهم في النهوض.
ينشغل أصحاب القرار في سورية بقضايا ترمي إلى ضبط المجتمع وفق قوانين وتشريعات تزيد من الانقسام
الأخطر أيضاً هؤلاء الأطفال الذين يخضعون لدورات يتعلّمون فيها فنون القتال، فيخرجون بلباس عسكري وعقيدة جهادية تقتل طفولتهم، بينما مكانهم الطبيعي مقاعد الدراسة وساحات اللعب، ليكبروا أفراداً أسوياء الروح والجسد، قادرين على تحمّل المسؤوليات الخاصّة والعامة. هذه الظواهر التي تزداد في المجتمع السوري، وتتغاضى الدولة عن كثير منها، إضافة إلى القرارات الرسمية التي تصدر عنها، مضافةً إلى الحالة المعيشية المتردّية للشعب السوري، تُعدّ مؤشّراً خطيراً ينذر بتفاقم الفوضى وازدياد الانهيارات المجتمعية، ويعيد السؤال المهم إلى الواجهة: ما هو الأكثر إلحاحاً، بناء الدولة أم بناء المجتمع؟ ويضع النُّخب أمام مسؤولياتها ودورها الذي سيسجّله التاريخ.
في هذا العالم المتخم بالعناوين الثقيلة، هل هناك ما يذكّرنا بأنّ التغيير الإيجابي ليس ممكناً فحسب، بل يجب أن يحدث كلّ يوم؟ هل نستطيع أن نتخيّل عالماً يمتلك فيه مجتمعنا القدرة على تغيير مصيره الخاص؟ عالماً تتحطّم فيه الحواجز أمام كلّ المشكلات، من التعليم والصحّة والفرص الاقتصادية، إلى وعي جمعي يرقى إلى مستويات البناء الإنساني، فيفسح الطريق أمام العيش بكرامة والابتكار والنمو المستدام، وبناء دولة معافاة قادرة على النهوض بمسؤولياتها؟ وإلا فلماذا توجد الدولة؟ سورية ليست بخير، وسورية لم تعد تحتمل مزيداً من الانهيارات.
- العربي الجديد


























