“وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ وما هو عنها بالحديث المرجمِ
متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً وتضرِ إذا ضريتموها فتضرمِ” (زهير بن أبي سلمى)
في قلب هذا المشهد المتشابك، حيث تتصارع السرديات الكبرى وتدفع الصراع نحو أفق مفتوح، يبرز صوت قديم من عمق التجربة العربية، صوت زهير بن أبي سلمى، ليقدّم تشخيصًا يكاد يختصر مأساة الحاضر. هذه الأبيات، التي قيلت في سياق صلح بين قبيلتين أنهكتهما الحرب، لا تنتمي فقط إلى الماضي، بل تكشف حقيقة بنيوية تتكرر عبر العصور: الحرب لا تُفهم عبر الخطاب، بل عبر التجربة؛ ولا تُضبط عبر النوايا، بل تنفلت منها. زهير هنا لا يصف الحرب، بل يفضح الوهم الذي يسبقها، وهم القدرة على التحكم بها. وإذا كان زهير يتحدث عن حرب قبلية، فإن خطورته تكمن في أنه يلامس منطقًا أعمّ هي الحرب حين تُستدعى، تتحول إلى كيان مستقل، إلى نار لا تعود ملكًا لمن أشعلها.
أما بعد، ففي لحظة إقليمية مشبعة بالتوتر وعدم اليقين، يكتسب تصريح الأمير تركي الفيصل، وزير المخابرات السعودي السابق، مع الإعلامية الشهيرة كريستيان أمنبور أهمية خاصة، لأنه لا يقرأ الصراع الجاري بوصفه مجرد تنافس على النفوذ أو نزاعًا جغرافيًا، بل يعيد تأطيره داخل أفق أعمق، حيث تتقاطع ثلاث سرديات كبرى هي الوعد التوراتي، وانتظار المهدي، والصهيونية المسيحية الإنجيلية. ما يطرحه هذا التشخيص ليس مجرد توصيف بلاغي، بل مفتاح لفهم طبيعة حرب تتجاوز حدود السياسة التقليدية، وتتحول إلى ساحة تتصارع فيها تصورات كونية عن التاريخ والقدر والمعنى.
فالصراعات الكبرى لا تُفهم فقط عبر المصالح، بل عبر السرديات التي تمنحها مشروعيتها، ولكن في النهاية تنتهي في المصالح. وفي هذا السياق، تظهر فكرة “الوعد التوراتي” كإحدى أكثر هذه السرديات تأثيرًا، حيث تُستمد من قراءات لنصوص دينية تُفهم أحيانًا على أنها تمنح لبني إسرائيل حقًا إلهيًا بأرض تمتد “من الفرات إلى النيل”. هذه الفكرة، التي لم تكن يومًا موضع إجماع داخل الفكر اليهودي، تحولت في بعض تيارات الحركة الصهيونية الحديثة إلى عنصر تعبوي ذي بعد سياسي. وهنا تكمن النقلة الحاسمة، فحين يتحول النص من أفق رمزي إلى برنامج جغرافي، تصبح الأرض موضوعًا لحق مطلق، ويغدو التنازل مستحيلًا لأنه يُفهم كخيانة لوعد إلهي، لا كمناورة سياسية.
في مقابل ذلك، تتشكل سردية انتظار المهدي في التراث الإسلامي، خصوصاً في الفكر الشيعي الاثني عشري، حيث يُنتظر ظهور الإمام الغائب ليملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلئت ظلمًا. هذه الفكرة لم تكن فقط تعبيرًا عن أمل ديني، بل شكلت عبر التاريخ بنية نفسية وسياسية معقدة، تمنح المجتمعات قدرة على الصمود، لكنها في الوقت نفسه تُبقي الحاضر مفتوحًا على توتر دائم مع مستقبل موعود. وفي بعض القراءات، يتحول الواقع إلى مرحلة انتقالية، بل إلى وضع ينبغي تجاوزه تمهيدًا لظهور الخلاص، وهو ما قد يبرر العنف أو الفوضى بوصفهما جزءًا من مسار أوسع نحو العدالة النهائية.
أما السردية الثالثة، المرتبطة بـالصهيونية المسيحية الإنجيلية، فتمثل صورة واضحة على تداخل اللاهوت بالسياسة في السياق الغربي، خصوصاً في التراث الأنغلوسكسوني. فهذه التيارات ترى في قيام دولة إسرائيل وعودة اليهود إلى فلسطين تحقيقًا لنبوءات توراتية، وشرطًا لعودة المسيح في نهاية الأزمنة. وبذلك، تُقرأ أحداث الشرق الأوسط لا بوصفها وقائع سياسية قابلة للحل، بل كعلامات ضمن سيناريو كوني لنهاية التاريخ. وقد انعكس هذا التصور في سياسات ملموسة، حيث يتحول الدعم السياسي إلى امتداد لرؤية دينية ترى في الصراع ذاته جزءًا من خطة خلاص كبرى.
ما يجعل اللحظة الراهنة استثنائية هو أن هذه السرديات لم تعد متوازية، بل أصبحت متقاطعة. وعندما تتقاطع السرديات، يتحول الصراع من نزاع قابل للإدارة إلى مواجهة مفتوحة بين تصورات مطلقة، حيث لا يعود الهدف تحقيق توازن، بل تجسيد معنى. وهنا يفقد الصراع قابليته للحساب، لأن الأطراف لا تتحرك فقط وفق منطق الربح والخسارة، بل وفق يقينيات تتجاوز الواقع.
في هذا السياق، تتحول المنطقة العربية من فضاء جغرافي إلى مسرح رمزي لم تعد الأرض فيه مجرد أوطان ذات سيادة، بل أصبحت، في بعض الخطابات، جزءًا من خرائط مقدسة أو مسارح لنبوءات. وهذا التحول يحمل تداعيات عميقة، أولها تآكل مفهوم السيادة نفسه، إذ لم تعد الدول تُرى كفاعلين مستقلين، بل كعناصر داخل سرديات أكبر منها. ومع هذا التحول، يصبح القرار السياسي عرضة لضغوط رمزية تتجاوز الحسابات الواقعية، وفي الوقت ذاته تطحن الناس بين وابل السرديات والصواريخ المنهمرة والطائرات التي تغطي وجه الشمس.
كما يؤدي هذا التشابك إلى إعادة تشكيل الصراعات الداخلية في المنطقة على أسس لاهوتية. فالنزاعات في بلدان مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن لم تعد تُقرأ فقط بوصفها صراعات على السلطة أو الموارد، بل بوصفها حلقات ضمن مسار كوني. وهذا يعمّق الانقسامات الطائفية، لأن كل جماعة تميل إلى تفسير موقعها داخل هذا الصراع بوصفه جزءًا من حقيقة أسمى، وهو ما يحول الخلاف إلى صراع هوياتي مغلق يصعب تسويته.
إلى جانب ذلك، يتعرض العقل السياسي العربي لضغط غير مسبوق. فبينما تفرض الوقائع الاستراتيجية ضرورة البراغماتية، تدفع السرديات الكبرى نحو مواقف حدّية. هذا التوتر يُنتج سياسات مترددة، أو خطابًا مزدوجًا يجمع بين الواقعية في الممارسة والتعبئة الرمزية في الخطاب، وهو ما يضعف القدرة على اتخاذ قرارات مستقرة وطويلة الأمد.
ولا تتوقف التداعيات عند هذا الحد، بل تمتد إلى احتمال توسع الصراع وتحوله إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، ولكن مع احتمال التمدد إلى صراع كوني. فحين يُفهم أي اشتباك بوصفه جزءًا من تحقيق وعد أو تمهيد لخلاص، يصبح من السهل أن يتحول إلى نقطة تصعيد أوسع، لأن الأطراف لا تتعامل معه كحادث معزول، بل كحلقة في سلسلة ذات معنى أكبر. وهذا ما يرفع منسوب المخاطر إلى مستويات يصعب التحكم بها.
ومن الزاوية المجتمعية، يبرز أثر آخر لا يقل خطورة، وهو تآكل فكرة المستقبل. فالسرديات الثلاث، بالرغم من اختلافها، تتجه نحو نهايات مغلقة تتلخص أرض مكتملة، عدالة نهائية، أو خلاص كوني. وفي ظل هيمنة هذه الرؤى، يتراجع التفكير بالمستقبل بوصفه مشروعًا مفتوحًا للاحتمالات والاجتهاد، ويحل محله أفق تحدده النبوءات. وهذا ينعكس على المجتمعات العربية في شكل إحباط، أو انسحاب من الفعل السياسي، أو انجذاب نحو أشكال راديكالية من الانخراط في الصراع.
من منظور فلسفي، يمكن فهم هذه الظاهرة بوصفها تجليًا لما يمكن تسميته بالنزعة الإنسانية نحو التعالي؛ أي السعي إلى تجاوز حدود الواقع نحو معنى أسمى. غير أن هذه النزعة، حين تتحول إلى برنامج سياسي مباشر، تنقلب إلى مصدر خطر. هنا يمكن استحضار تحليل مارتن هايدغر، الذي حذّر من تحوّل المعاني إلى أدوات ضمن منطق السيطرة، حيث يُختزل العالم ببشره وكياناته إلى مورد يُستخدم ويُوظف في التعبئة الجماعية التي تمسح الأفراد من الوجود وتجعل منهم مجرد أعداد في جردات حساب عن عدد الجنود أو الشهداء أو المعاقين أو المهجرين. في هذا الإطار، تصبح الأسطورة أداة تعبئة، بل وأحيانًا أداة تبرير للعنف، بدلاً من أن تبقى أفقًا للمعنى.
الخطر الأكبر يكمن في أن الأسطورة، حين تُطلق بوصفها حقيقة مطلقة، تُغلق أفق السياسة. فبينما تقوم السياسة على التفاوض والاعتراف بإمكانية التراجع، تقوم الأسطورة على اليقين النهائي ونفي البدائل. وعندما تهيمن، يتحول الصراع إلى مواجهة غير قابلة للحل، محكومة بمنطق “إما كل شيء أو لا شيء”.
ومع ذلك، فإن قوة هذه السرديات لا تكمن في صحتها، بل في الإيمان بها. فهي لا تحتاج إلى أن تكون حقيقية لكي تؤثر على العقول أو سير الأحداث، بل يكفي أن يتصرف الفاعلون كما لو أنها كذلك حتى تتحول إلى قوة مادية تعيد تشكيل الواقع. وهنا تكمن المفارقة، فكلما ازداد حضور هذه السرديات في الوعي السياسي، ازداد احتمال أن يصبح الواقع انعكاسًا لها.
في النهاية، لا يمكن فصل مستقبل المنطقة العربية عن هذا التشابك بين الأسطورة والسياسة. فالتحدي لا يكمن فقط في إدارة الصراع، بل في استعادة القدرة على إبقائه ضمن أفق إنساني قابل للإدارة، بدل أن يتحول إلى مسرح لتحقيق نهايات كونية. وهذا يتطلب إعادة الاعتبار للعقل السياسي، لا بوصفه نقيضًا للمعنى، بل كإطار يحميه من الانزلاق إلى المطلق. لأن البديل عن ذلك ليس فقط استمرار الحرب، بل تحولها إلى حالة دائمة، يعيش فيها الواقع العربي داخل زمن مفتوح على نهايات لا يمكن التنبؤ بها، ولا السيطرة عليها. ومن هنا أيضًا تبرز الحاجة إلى بناء سرديات علمية ومنطقية بديلة تجمع بين الكيانات المتضررة من تلك السرديات الأسطورية لتحاول، قدر الإمكان، الخروج بأقل أكلاف وخسائر، ثمَّ الانطلاق إلى مشاريع مستقبلية قادرة على تحويلها إلى قوى قادرة على الصمود في وجه الأساطير والهيمنة الآتية.
- المدن


























