ملخص
المفارقة أن ترمب بدأ حرب إيران بالشراكة مع بنيامين نتنياهو على أمل فتح الطريق أمام الإيرانيين للثورة وإسقاط النظام، لكن ما حدث هو العكس كما توحي الصور في الشوارع الإيرانية.
كل الدول، بما فيها دول الخليج التي أمطرتها إيران بالصواريخ والمسيّرات، دعت ولا تزال تدعو إلى وقف الحرب أو أقلّه خفض التصعيد، لكن دوي القصف بالطائرات والصواريخ يطغى على أصوات الحكماء وتحذيرات القلقين حيال تعاظم الأزمات السياسية والاقتصادية وقطع طرق الإمداد في الشرق الأوسط والعالم، فالحرب تزداد ضراوة في الشهر الثاني للهجوم الأميركي – الإسرائيلي والمواجهة الإيرانية في دائرة أوسع من جغرافية القتال، ولا أحد يعرف ما الذي يخرج من مفاوضات أميركية – إيرانية تعمل الباكستان ومعها مصر والسعودية وتركيا للتوسط في إجرائها في إسلام أباد.
ذلك أن التفاوض على تسويات في الحروب ليس دليل قوة أو ضعف بل مسألة لا بد منها في النهاية، والمشكلة الآن، وسط حماسة الرئيس دونالد ترمب للتفاوض ونفي طهران المعلن خلافاً لما يعرفه ويعمل عليه وزراء الخارجية الباكستاني والمصري والسعودي والتركي، ليست الخوف من أن يكون عرض ترمب خدعة، والقرار في طهران بالغ الصعوبة بين مراكز القوى والوضع الغامض لحال المرشد الأعلى مجتبى خامنئي المصاب والذي لم يظهر بعد.
المشكلة هي التفاوض في منتصف حرب لا طرف فيها رابح تماماً ولا طرف خاسراً تماماً، فما طلبته أميرکا في مفاوضات وما قبل الحرب هو ما تطلبه اليوم وأكثر، وما تمسكت به إيران ورفضت تقديمه هو ما تتمسك به اليوم ولا تزال ترفضه مع إضافة مطالب جديدة بسبب الحرب، وهذا ما يقود إلى إكمال الحرب على أمل الوصول إلى نتيجة حاسمة في الميدان تجعل من المحتمل التوصل إلى صفقة.
ولا أسرار في ما يتصرف على أساسه الطرفان، فترمب يراهن على مزيد من القوة لتجريد الجمهورية الإسلامية من كل قوتها لتقبل التسوية التي تنقذها من الانهيار، وطهران تراهن على الصمود وقوة أذرعها في إيذاء إسرائيل ودفع ترمب إلى اليأس، كما على مضيق هرمز وارتفاع الأسعار وتعاظم الضغوط الاقتصادية على أميركا من حلفائها ومن الداخل، لتخرج بأوراق قوية وضاغطة في التسوية.
لكن أي إنجاز عسكري تتآكل قیمته إن لم تجر ترجمته إلى مكاسب سياسية، ولا شيء يوحي، حتى إشعار آخر، أن على طاولة التفاوض فرصة لتسجيل مكاسب سياسية ثابتة، ولا أن في الميدان مفاجآت من النوع الدراماتيكي الذي يغير اللعبة، ومن المهم والحيوي، لكنه صعب، التمييز بين الربح وعدم الخسارة، کما يقول الخبير الإستراتيجي البريطاني المخضرم لورنس فريدمان.
والواقع أن أميركا تخسر حروبها الخارجية في الداخل، فما ربحته في الحرب العالمية الأولى وترجمه الرئيس وودرو ويلسون في “مؤتمر فرساي” إلى تأسيس “عصبة الأمم” خسرته في الكونغرس الذي رفض الموافقة على الانضمام إلى المنظمة الدولية، وما لم تخسره على الأرض في غزو أفغانستان والعراق خسرته بالسياسة في واشنطن، وهي خسرت حرب فيتنام بسبب الاحتجاجات في الجامعات الأميركية وشوارع المدن، على رغم وجود نصف مليون جندي أميركي على أرض فيتنام الفقيرة.
يقول الخبير الإستراتيجي الأميركي أنطوني كوردسمان إن “الحرب ليست عن إنهاء الأخطار بل عن إدارة الأخطار”، فهل تدفع الوقائع على الأرض واحتمالات الخسارة في الانتخابات النصفية للكونغرس ترمب إلى الأخذ بمعادلة کوردسمان؟
المفارقة أن ترمب بدأ حرب إیران بالشراكة مع بنيامين نتنياهو على أمل فتح الطريق أمام الإيرانيين للثورة وإسقاط النظام، لكن ما حدث هو العكس كما توحي الصور في الشوارع الإيرانية، لا بل إن معارضاً للنظام مثل الأستاذ الجامعي في أمیرکا آصف بيات يری أن “الحرب لن تولد تغييراً ديمقراطياً أو تغييراً إيجابياً، وإنما ستدمر الطبقة الوسطى والحركات الاجتماعية التي بدأت تتشكل تدريجياً من الأسفل”، وأساس أية ثورة ومحركها هو الطبقة الوسطى، وإذا كانت الماركسية تركز على البروليتاريا وحكمها، فإن الطبقة الوسطى الروسية هي التي صنعت الثورة الاشتراكية بقيادة لينين وتروتسكي، وثورات ما سمي “الربيع العربي” قادها مثقفون وأساتذة ونشطاء من الطبقة الوسطى، بصرف النظر عما انتهت إليه بفعل عنف الأنظمة واندفاع القوى المتطرفة والسلفية الجهادية بتصدر المشهد والعمل العسكري.
والكل يتحدث الآن عن شرق أوسط مختلف عن واقعه الحالي سيخرج من حرب إيران، لكن صورة هذا الشرق الأوسط المختلف لم تتبلور تماماً وإن كانت ملامحها ظاهرة، فما يراه كثيرون مع أمیركا وإسرائيل خطر البرنامج النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي والأذرع المسلحة، يضيف إليه بعضهم خطراً داهماً وهو المشروع الإقليمي الإيراني القائم على “تصدير الثورة” وعدّتها الإيديولوجية المذهبية وأموالها وأسلحتها وضباطها من الحرس الثوري، وإذا كان “الحفاظ على النظام هو واجب الواجبات”، بحسب الإمام الخميني، فإن الشرق الأوسط المختلف يتأثر بثلاثة احتمالات بالنسبة إلى النظام، الأول هو بقاء النظام قوياً على رغم خسائره في البنية التحية العسكرية والاقتصادية، والثاني هو بقاء النظام ضعيفاً من دون قوته العسكرية وحمايته الشعبية وقدرته على العمل خارج حدوده، والثالث هو سقوط النظام أو تغيير طابعه من الداخل من دون سيناريو مطابق للسيناريو في فنزويلا، لكن النظام لا يعمل في الفراغ ولا يعيش في عزلة إيران عن محيطها الذي خدعته بالتطمينات قبل الحرب وقصفته في الحرب بصواريخ ومسيّرات كانت خططها جاهزة سلفاً.
ومن الأمور الخطرة، كما يقول الجنرالات، أن الحروب تقود الذين يقودونها، والأخطر أن تخرج اللعبة من أيدي اللاعبين.
- إندبندنت
























