نأت سوريا الجديدة، محقّةً، بنفسها عن الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران، مع الانشغال بالتركة والأجندة الثقيلة المطروحة أمامها، بعدما ترك نظام بشار الأسد البلد مدمّراً ومحروقاً.
غير أن اتساع الحرب وامتدادها جغرافياً وجيوبوليتيكياً، والتداعيات السياسية والاقتصادية الإقليمية، وحتى الدولية الهائلة، أدّت إلى تغيير – أو للدقة تحديث – في الموقف السوري، ولكن مع البقاء في مربع النأي بالنفس، ولو على التخوم، والحرص على اتخاذ مواقف متناغمة مع دول الجوار، والتموضع ضمن الموقف العربي الإسلامي العام.
إذن، كانت سوريا الجديدة جادّة في سعيها للنأي بنفسها عن الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران، ولم تتخذ موقفاً واضحاً من الحرب، كونها غير مضطرة لذلك. ورغم المزاج الشعبي العام المؤيد لتلقي إيران وحلفائها الضربات لانخراطهم إلى جانب نظام بشار الأسد في قمع الثورة وارتكاب جرائم موصوفة بحق الشعب السوري، إلا أن القيادة نأت بنفسها عن هذا المزاج، مع الانشغال بالعمل على ورشة العمل الداخلية والتركة الثقيلة التي تركها الأسد وراءه.
بظل استمرار واتساع ساحات الحرب وامتداد النيران والتداعيات الهائلة لها على الإقليم كله وحتى العالم، بقيت سوريا الجديدة في مربع النأي بالنفس، مع تحديث يتناغم ويدعم دول الجوار والإجماع العربي بشكل عام..
بتفصيل أكثر، لجأت القيادة في سوريا الجديدة إلى خطوات احترازية، على قاعدة النأي بالنفس وعدم إعلان موقف من الحرب نفسها، وتهدئة سياسية وإعلامية لمشاعر الشارع لا تأجيجها. وتضمنت تلك الخطوات نشر تعزيزات عسكرية وأمنية على الحدود اللبنانية والعراقية، لمنع انتقال النيران إلى الأراضي السورية.
وامتدت الاحتياطات إلى المنطقة الجنوبية كذلك، لمنع استخدامها من قبل جماعات وميليشيات مسلحة غير شرعية تابعة ومشغّلة إيرانياً، وهو ما لم تفعله طهران زمن نكبة وإبادة غزة، حفاظاً على نظام بشار الأسد ومنع استهدافه مباشرة وإسقاطه من قبل إسرائيل.
وفي السياق، أكدت سوريا الجديدة مرة أخرى طيّ حقبة نظام بشار الأسد نهائياً، الذي استغل بانتهازية سعي القوى الأجنبية للتعاطي مع سوريا كملعب أو ساحة لتوجيه الرسائل لإطالة بقائه في السلطة. بل نجد هنا تعاطياً مختلفاً وعلى العكس تماماً، حيث تسعى القيادة الجديدة، رغم الأزمات والتحديات الهائلة أمامها، لتصبح – أو للدقة لتعود – لاعباً مركزياً في البيئة العربية والإقليمية، كما كانت دوماً قبل حقبة البعث-الأسد سيئة الصيت.
كان هذا صحيحاً في الأسبوعين الأولين من الحرب، مع العمل على منع أي تداعيات داخلية، تحديداً في السياق الاقتصادي الاجتماعي، وعدم حدوث أزمات كبرى في السلع والمستلزمات والاحتياجات الأساسية، خاصة في قطاعات النفط والغاز والغذاء.
وبالتداعيات المباشرة التي خدمت سياسة النأي بالنفس، استفادت سوريا الجديدة من تفكيك القواعد الأميركية على أراضيها، التي ارتبطت أساساً بنظام الأسد واستدعائه القوى الأجنبية على اختلاف مسمياتها، في حين لا تزال دول اعتُبرت حليفة لإيران زاخرة بالقواعد والقوات الأميركية. ويأتي ذلك بموازاة العمل والانكباب على ترتيب البيت الداخلي، وتسريع خطوات تنفيذ اتفاق 30 كانون الثاني/يناير مع “قسد” أو ما تبقى منها، وتكريس فكرة سوريا الجديدة وسيرورة نهوضها لكل مكوناتها ومواطنيها من دون استثناء، مع التذكير بخريطة الطريق الثلاثية في جبل العرب، وإعادة وضعها بقوة على جدول الأعمال الداخلي في الأيام الأخيرة، مع السعي لإنجاز العملية الانتخابية على علّاتها، ودعوة مجلس الشعب لممارسة دوره الرقابي والتشريعي في أقرب فرصة ممكنة.
وفي التداعيات الاقتصادية، وفيما يخص القطاعات والاحتياجات الحيوية، تجب الإشارة إلى الاكتفاء الذاتي من النفط والغاز والقمح، خاصة بعد استعادة السيطرة على حقول النفط شمال شرقي البلاد، وحصول البلاد عادة على احتياجاتها برّاً وبحراً بعيداً عن مضيق هرمز والخليج العربي. أما المواد الغذائية الأساسية – الحبوب والخضروات والفواكه واللحوم – فكانت سوريا تاريخياً مكتفية، بل ومصدّرة للخارج، وهي الآن تعود تدريجياً لتجاوز حالة القفر والجدب والقحط التي أوجدها النظام الساقط على مختلف المستويات.
ورغم ذلك، وبظل استمرار واتساع ساحات الحرب وامتداد النيران والتداعيات الهائلة لها على الإقليم كله وحتى العالم، بقيت سوريا الجديدة في مربع النأي بالنفس، مع تحديث يتناغم ويدعم دول الجوار والإجماع العربي بشكل عام، واحتياطات أمنية إضافية على الحدود، تحديداً مع لبنان، لكنها ليست موجهة ضد أحد، وإنما لحفظ أمن ومصالح البلاد. وأمر مماثل يمكن قوله عن التعزيزات على الحدود العراقية، في ظل قنوات مفتوحة مع السلطات والقيادات الشرعية في البلدين، وضبط النفس تجاه إطلاق الصواريخ العبثية وحملات التخوين السياسية والإعلامية، والاستعداد للدعم من دون التورط في الشؤون الداخلية اللبنانية أو العراقية. وهذا قرار مسؤول يبدو أنه سيصمد، مع دعم عربي وإسلامي ودولي قوي للموقف السوري.
وفيما يخص سوريا الجديدة والتاريخية، والعلاقة مع العالم العربي والمصالح المتبادلة والمصير المشترك – وهو أمر صحيح وليس مجرد شعارات – مع دعم المواقف العربية والانضواء ضمن الإجماع العام، ورفض الاعتداءات والهجمات الإيرانية ضد الأردن ودول الخليج العربي، وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع العواصم المعنية.
إلى ذلك، شهدنا دعوة الدول العربية للاستفادة من موقع سوريا الجغرافي لتخفيف الأزمات الاقتصادية، والاعتماد على موانئها المتوسطية بعيداً عن مضيق هرمز والبحر الأحمر، حيث أبدى الأردن فعلاً تجاوباً مع هذه الدعوة، بالإضافة إلى إحياء أفكار وخطط أنابيب النفط مباشرة من العراق والخليج العربي – عبر الأردن – إلى المتوسط، مع تجديد الدعوة للاستفادة من أجواء البلاد وتشغيل مطار حلب للوصل بين الشرق والغرب والشمال والجنوب بعيداً عن خطوط النيران المشتعلة.
لا بد من التأكيد أن سياسة النأي بالنفس كانت ولا تزال صحيحة، ولصالح سوريا أخلاقياً واستراتيجياً، ولتكريس مركزيتها السياسية والأمنية والاقتصادية والجغرافية كحلقة وصل بين الشرق والغرب وآسيا وأوروبا، مع عدم التأثر بحملة دعائية متعددة الاتجاهات وخاطئة.
كما تم طرح أفكار وخطط تتعلق بسلاسل التوريد برّاً وبحراً، لربط الخليج العربي بالغرب والعالم بعيداً عن هرمز وممارسات وتعسّف إيران، واستحضار ما يُعرف بخطة البحار الأربعة “الخليج العربي، وقزوين، والأسود، والمتوسط”، ما يعني التشبيك بشبكة واسعة من الطرق والمصالح بين سوريا والأردن والعراق ودول الخليج وتركيا، مع أوروبا والعالم بشكل عام.
في الختام، لا بد من التأكيد أن سياسة النأي بالنفس كانت ولا تزال صحيحة، ولصالح سوريا أخلاقياً واستراتيجياً، ولتكريس مركزيتها السياسية والأمنية والاقتصادية والجغرافية كحلقة وصل بين الشرق والغرب وآسيا وأوروبا، مع عدم التأثر بحملة دعائية متعددة الاتجاهات وخاطئة. إذ لن تكون هناك هيمنة إسرائيلية إقليمية بعد الحرب، كما لن تذهب سوريا الجديدة – ولا لبنان الجديد ولا دول عربية أخرى – نحو التطبيع، بل ستتموضع ضمن إطار عربي إسلامي جديد بدأت معالمه بالتشكل، من دون إسرائيل وحتى إيران المستنزفة والمنشغلة بنفسها لسنوات، بل لعقود طويلة، للدفاع عن أمن واستقرار المنطقة ومصالح مواطنيها. وهو ما يمثل تحديثاً لمظلة الحماية الواسعة والراسخة لسوريا الجديدة وسيرورة النهوض فيها، التي لم تتأثر بالحرب بل ازدادت قوة ومناعة، خاصة مع مشاركة الوزير أسعد الشيباني في لقاء الرياض الأسبوع الماضي، الذي ضم 12 دولة عربية وإسلامية، لتأسيس تفاهم وتحالف جديد من دون إسرائيل المعتدية، المنشغلة بنشوة القوة والحرب، وغير الساعية للسلام والحلول العادلة وفق الشرعية الدولية، بل لدوام حالة الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة.
- تلفزيون سوريا

























