مع الزيارة "الطازجة جدا" للسيدة (كاترين اشتون) الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الامنية ونائبة رئيس المفوضية الاوروبية للشرق الأوسط، نقدم ها هنا قراءة في مواقف ذلك "الاتحاد" نظريا وعمليا. وبداية، نقرر بأن "الاتحاد" يقف، بشكل عام، موقفا مؤيدا وداعما للشعب الفلسطيني على المستويين السياسي والاقتصادي ويشكل جهة فاعلة رئيسية بوصفه أكبر جهات الدعم المالي للفلسطينيين. ورغم بياناته السياسية الجيدة، سواء حول مدينة القدس المحتلة أو المستعمرات/ "المستوطنات" بل والحصار على غزة، إلا أن بقاء هذه البيانات دون التحرك على الأرض يجعل دوره شبه أفلاطوني!. فالأصل ان يشكل الموقف الأوروبي رافعة سياسية واقتصادية داعمة ومساندة للشعب الفلسطيني طالما أن "الاتحاد" متمسك بمنظومة قيمه السياسية والانسانية.
عشية اول زيارة للمنطقة تقوم بها الوزيرة (اشتون)، طالب "الاتحاد الأوروبي" اسرائيل العمل على إعادة إطلاق فوري لمفاوضات السلام مع الفلسطينيين. بل ان (اشتون) نفسها صرحت بأن "الاتحاد" يمكنه ان يستخدم روابطه التجارية الوثيقة مع اسرائيل كأداة لحضها على استئناف محادثات السلام مع الفلسطينيين. بل انها، شخصيا، أدركت أن الدور الاوروبي يمكن أن ينشط أكثر حيث قالت: "نحن مورد كبير للمساعدات والتنمية لتلك المنطقة. نحن أقوياء مع اسرائيل لجهة التجارة، واسرائيل ترغب في تعزيز علاقاتها التجارية معنا. انها تريد تقوية العلاقات. ما نطمح اليه هو أن يعرفوا، لأنهم يعرفون فعلاً، أن الحل يكمن في تسوية يتم التوصل اليها من خلال المفاوضات. نرى أن هناك حاجة لأن يحدث ذلك بسرعة، وان يحدث الآن مع الفرص التي يتيحها ذلك لإسرائيل لتصبح قادرة على تعزيز العلاقات التي تريدها معنا في المستقبل". وبالفعل، تغطي شبكة العلاقات الاسرائيلية الاوروبية كافة مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة. ويفوق حجم التبادل التجاري بين اسرائيل والاتحاد الاوروبي نسبة التبادل الاقتصادي الاسرائيلي/ الاميركي. وبالارقام، أكثر من 40% من التجارة الخارجية الاسرائيلية تتم مع دول الاتحاد الاوروبي. وفي العام 2005 وحده، بلغ التبادل التجاري مع اوروبا 23 مليار يورو. واسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تشارك من خارج الاتحاد الاوروبي في برامجه للبحث العلمي. بل هي شاركت في تطوير وتمويل نظام جاليليو للملاحة بالساتيلايت الذي سيجعل دول الاتحاد الاوروبي وغيرها تستغني عن النظام الاميركي "نافستار- جي بي اس".
لطالما انتقدت الدول الأوروبية السياسات الإسرائيلية، لكنها لم تجرؤ حتى الآن على اتخاذ إجراءات ضد إسرائيل اللهم باستثناء مقاطعة البضائع والسلع التي تنتجها المستعمرات في الضفة الغربية. في المقابل، كانت هناك تحركات وقرارات شعبية مثل المقاطعة الأكاديمية للأكاديميين الصهاينة أو للجامعات الصهيونية، لكن هذا القرار الشعبي لم يصل إلى المستوى الرسمي الذي ما زال يأخذ بالحسبان الغضب الإسرائيلي، وهو ما جرى مؤخرا حين رفض "الاتحاد" مقترحا سويديا دعا إلى اعتراف أوروبي صريح وواضح بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، مكتفيا باتخاذ قرار بخصوص القدس مفاده بأن المدينة عاصمة لدولتين من خلال العملية التفاوضية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وذلك رغم أن أغلب الدول الأوروبية تعتبر القدس الشرقية منطقة محتلة لا يجوز التلاعب بمعالمها ووضعها من قبل إسرائيل. ومؤخرا، وتحت عنوان "وجهة نظر الاتحاد الاوروبي تجاه الشرق الاوسط" قال تقرير "مركز الدراسات الاوروبية": "ان الموقف الرسمي للاتحاد الاوروبي بشأن عملية السلام في الشرق الاوسط، اي عملية السلام الاسرائيلية الفلسطينية، هو ان تحقيق سلام دائم في المنطقة امر ذو اهمية حيوية لأوروبا. ان الشرق الاوسط منطقة جارة، ترتبط اوروبا بها بروابط طويلة الاجل سياسية وتاريخية وثقافية واقتصادية وتجارية، واستقرارها وأمنها جوهريان لاستقرار اوروبا نفسها وأمنها. لهذا السبب فإن الجماعة (الاوروبية) ودولها الأعضاء ملتزمة التزاما كاملا بلعب دور ملائم في هذه العملية".
إن "الاتحاد الاوروبي" يمتلك مقومات هائلة للعب ذلك "الدور الملائم" وللتأثير الفعلي على الساحة الدولية. لكنه، أي "الاتحاد"، لا يتصرف حتى الآن وفق حجمه الحقيقي، وما زال يتعامل مع مختلف القضايا العالمية، ومن بينها القضية الفلسطينية، بتردد خجول! بل ان الأوروبيين هم من أكبر المتبرعين للفلسطينيين وبخاصة لإصلاح الدمار الذي تلحقه إسرائيل في عدوانها المستمر على الشعب الفلسطيني!!! والأوروبيون هم الذين يقدمون الأموال المترتبة على الاتفاقيات مع إسرائيل لدعم السلطة الفلسطينية وتمكينها من صرف رواتب الموظفين. من هنا، عليهم إذن، وقبل كل شيء، اتخاذ إجراءات عملية لانجاز "السلام العادل" الذي طال الحديث عنه، طبعا إن كانوا جادين حقا في مواقفهم المتعاطفة مع معاناة وتطلعات الفلسطينيين، أو مواقفهم ضد الإجراءات الإسرائيلية في القدس وعموم الضفة.
"المستقبل"




















