كتب أستاذنا العزيز البروفيسور أحمد نسيم برقاوي- قبل أيَّام قليلة- (صفحته على الفيسبوك) أطاريح في ماهيَّة النَّقد الفلسفيِّ ، النَّصِّ الَّذي قدَّمه أستاذنا في الأطروحة الحادية عشرة نصَّ قيم جدًّا يحتاج كثير من الجهد والوقت للبحث فيه ومناقشته لفهم تفسير أصل الشَّرِّ في بنية النِّظام السُّوريِّ على مدى ستِّين عامًا وذلك في محاولة لتصوير الشَّرِّ الكامل في بنية النِّظام وسأضعها هنا كما وردت في النَّصِّ.
الأطروحة الحادية عشرة
“ليس هناك صورة من النّقد الفلسفيّ أهمّ من نقد الشّرّ، ولا يمكننا نقد الشّرّ فلسفيًّا من دون الكشف عمّا وراء الشّرّ. فكلّ النّاس ينتقدون الشّرّ بوصفه ما يناقض الحياة البشريّة من ميل إلى العيش الآمن في حقل الخير. ولكنّ السّؤال النّقديّ يكمن في السّؤال عن أصل الشّرّ وفصله، فسؤال الشّرّ فلسفيًّا يؤكّد ارتباط الفيلسوف بالحياة كما هي وكما يجب أن تكون” ،فالطبيعة الجامدة خالية من الشّرّ، فليست الأعاصير والفيضانات والزّلازل شرًّا، إذ ليس للطّبيعة نيّة إراديّة لإحداث الشّرّ؛ الشّرّ ظاهرة بشريّة. فتدمير الطّبيعة، تدمير أمّنا عبر التلوّث البيئيّ هو الشّرّ، ويكون السؤال لماذا؟”.
مدخل: في ضرورة الكشف عما وراء الفعل ينطلق البروفيسور أحمد نسيم برقاوي في أطروحته الحادية عشرة من مبدأ فلسفي تأسيسي: “لا يمكننا نقد الشر فلسفيًا من دون الكشف عما وراء الشر”. هذا الطرح ينقلنا من حيز “الانفعال الأخلاقي” بالشر كفعل خارجي، إلى حيز “التفكيك الفلسفي” لبنيته العميقة. إن السؤال عن “أصل الشر وفصله” ليس ترفاً ذهنياً، بل هو التزام وجودي يربط الفيلسوف بالحياة في توترها الدائم بين “ما هي عليه” و”ما يجب أن تكون”.
لا يمكن قراءة الأطروحة الحادية عشرة للدُّكتور أحمد نسيم برقاوي بمعزل عن السِّياق التَّاريخيِّ والوجوديِّ الَّذي يعيشه العقل السُّوريُّ اليوم. يطرح د. برقاوي فكرةً جوهريَّةً ومؤسَّسةً. ” لا يمكننا نقد الشَّرِّ فلسفيًّا من دون الكشف عمَّا وراء الشَّرِّ “. هذا التَّفكيك الفلسفيِّ يلتقي بشكل مباشر مع محاولاتنا المستمرَّة لفهم الطَّبيعة المظلمة والممتدَّة لستِّين عامًا من حكم النِّظام السُّوريِّ؛ حيث لم يكن العنف مجرَّد أداة للسُّلطة، بل كان جوهرًا لوجودها. إنَّ مهمَّة الباحث السُّوريِّ اليوم ليست مجرَّد إحصاء الضَّحايا، بل ” السُّؤال عن أصل الشَّرِّ وفصله “، كما يوجِّهنا د. برقاوي، لكي نمنع إعادة إنتاجه.
فإذا كان د. برقاوي يضع الإطار النَّظريُّ لماهيَّة الشَّرِّ، فالمقال هذا هو محاولة لوضع ” التَّشريح التَّطبيقيِّ ” والعمليِّ لهذا الشَّرِّ في أقصى تجلِّياته.
الفارق الجوهريُّ بين ” الكارثة ” و ” الجريمة “:
يبدأ الدُّكتور برقاوي بتنزيه الطَّبيعة الجامدة عن تهمة ” الشَّرِّ “، فالأعاصير والزَّلازل والفيضانات، رغم ما تسبِّبه من دمار، تفتقر إلى ” النِّيَّة الإراديَّة “، الطَّبيعة عمياء، لا تقصد إيذاءنا.
من هنا، يضع د. برقاوي يده على الماهيَّة الحقيقيَّة للشَّرِّ: ” الشَّرُّ ظاهرةً بشريَّةً “.
الوعي والقصديَّة: الشَّرُّ يكمن حصرًا في توفُّر ” الإرادة الحرَّة ” المصحوبة ب ” النِّيَّة ” لإحداث الأذى.: النِّظام السُّوريُّ لم يكن زلزالاً ضرب المدن السُّوريَّة، بل كان آلةً واعيةً، تمتلك الإرادة والنِّيَّة المسبقة والمبيَّتة لتدمير الحجر والبشر، إنَّ ” العنف الفائض ” هو الدَّليل القاطع على هذه النِّيَّة؛ فالنِّظام لم يستخدم العنف ل ” إخضاع ” الخصم فحسب، بل ل ” سحقه وإفنائه “، محوِّلاً العنف من وسيلة إلى غاية تتلذَّذ بها السُّلطة.
تدمير ” البيئة ” كتدمير للأمِّ. لماذا؟
ينتقل د. برقاوي في أطروحته إلى مثال بالغ الدَّلالة: ” تدمير الطَّبيعة، تدمير أمّنا عبر التَّلوُّث البيئيِّ هو الشَّرُّ، ويكون السُّؤال لماذا “؟
احتجاز الجغرافيا والمجتمع:
في الحالة السُّوريَّة، يمكن توسيع مفهوم ” البيئة ” ليشمل ” البيئة الاجتماعيَّة والعمرانيَّة والسِّياسيَّة ” (سوريا كوطن/ أمّ). لقد مارس النِّظام السُّوريُّ شرّه من خلال تدمير هذه الحاضنة (المدن، القرى، النَّسيج المجتمعيُّ، وحتَّى الغابات والمحاصيل).
للإجابة على سؤال برقاوي المفتوح، يمكننا القول إنَّ هذا التَّدمير المتعمَّد للأمِّ/ الوطن نابع من معادلة الاستبداد الصِّفريَّة: ” الأسد أو نحرق البلد “. الشَّرُّ هنا يكمن في تحويل بقاء الفرد/ العائلة إلى قيمة عليا تتجاوز قيمة وجود الأمَّة بأكملها. التَّدمير لم يكن عبثيًّا، بل كان سياسة منهجيَّة (ترهيب، عقاب جماعيّ، تغيير ديموغرافيّ) لضمان أنَّ ما لا يمكن حكمه، يجب أن يباد.
ما وراء الشَّرِّ. . . تشريح البنية العميقة للاستبداد السُّوريِّ
لفهم تجذُّر الاستبداد الَّذي خيَّم على سورية لستَّة عقود، لا بدَّ من استحضار مفهوم ” تفاهة الشَّرِّ الَّذي صاغته الفيلسوفة ” حنَّة أرندت “، وربطه برؤية المفكِّر أحمد برقاوي حول ” أصل الشَّرِّ وفصله “. فخلافًا للتَّصوُّر التَّقليديِّ بأنَّ الشَّرَّ العظيم يصدر حصرًا عن ” وحوش ” ساديِّين، اكتشفت أرندت خلال تغطيتها لمحاكمة النَّازيِّ ” أدولف إيخمان ” عام 1961 أنَّ الشَّرَّ قد يكون نتاجًا لأشخاص ” عاديِّين جدًّا “؛ موظَّفين بيروقراطيِّين يفتقرون للقدرة على التَّفكير النَّقديِّ، وينصاعون للأوامر دون إحساس بالمسؤوليَّة الفرديَّة، متحوِّلين بذلك إلى مجرَّد ” تروس ” في آلة ضخمة ترى واجبها في إتقان الإجراءات لا في عدالة النَّتائج.
وهنا يتقاطع تحليل أرندت مع الواقع السُّوريِّ؛ حيث لم يكتف النِّظام بممارسة القمع، بل قام ب ” مأسَّسة تفاهة الشَّرِّ ” حتَّى بات جزءًا لا يتجزَّأ من البيروقراطيَّة اليوميَّة. عبر الأجهزة الأمنيَّة، والتَّقارير الكيديَّة، والمحاكم الاستثنائيَّة، تغلغل الشَّرِّ في بنية الدَّولة العميقة ليصبح هو ” النِّظام السَّائد “، فيما غدا ” الخير ” — أو المطالبة بالحقِّ الإنسانيِّ في العيش الآمن — هو ” الاستثناء المعاقب عليه “.
أنَّ الغوص في هذه البنية العميقة، كما يشير د. برقاوي، يكشف كيف استسلم الأفراد لأنظمة قمعيَّة بحجَّة ” النِّظام والعمل، ممَّا جعل الفشل في تمييز الحقِّ من الباطل أداةً لاستدامة الاستبداد طوال ستِّين عامًا. • تحويل الإنسان إلى أداة: استند النِّظام السُّوريُّ إلى فلسفة تحطيم كرامة الإنسان كشرط مسبق لحكمه. الشَّرُّ هنا ليس فقط في القتل، بل في القتل المنهجيِّ للرُّوح (الاعتقال، التَّعذيب الوحشيُّ، الإذلال اليوميُّ) لخلق كائن مستلب لا يقوى على السُّؤال.
الانحياز للحياة كفعل مقاومة: يختتم د. برقاوي أطروحته بأن “سؤال الشر فلسفياً يؤكد ارتباط الفيلسوف بالحياة كما هي وكما يجب أن تكون”. هنا تكمن رسالة الباحث والكاتب والمثقف السوري اليوم. إن تشريحنا لأصل الشر في بنية النظام السابق ليس بكاءً على الأطلال، ولا جلداً للذات، بل هو انحيازٌ مطلق لـ “الحياة كما يجب أن تكون” في سوريا الجديدة. لا يمكن لسوريا أن تتعافى وتبني منظومتها السياسية والاجتماعية الجديدة ما لم تفكك وتعرّي “العنف الفائض” الذي حكمها، وتضمن دستورياً وأخلاقياً يقطع دابر “النية الإرادية” لأي سلطة قادمة في إعادة إنتاج هذا الشر.
سوريا الجديدة لا يمكن أن تقوم على أنقاض قديمة، بل يجب أن تُبنى على قطيعة دستورية وأخلاقية مع هذا الإرث المظلم، لضمان الانتقال من “الهوية المغلقة” إلى “المواطنة الديمقراطية” والحياة “كما يجب أن تكون”.
- كاتب سوري


























