دخلت الزيادات النوعية في أجور موظفي القطاع العام، داخل قفص الاتهام بالمسؤولية عن التراجع الأخير بسعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، وفق فرضية باتت متداولة في أوساط اقتصاديين سوريين، مؤخراً. وتقوم هذه الفرضية على معادلة بسيطة مفادها: ضخ سيولة نقدية في أسواق اقتصاد يعاني من تآكل قاعدته الإنتاجية، ويستند بدرجة كبيرة على الاستيراد، نتيجته المحتومة، زيادة في الطلب على القطع الأجنبي، وتراجع في سعر صرف العملة المحلية، وبالتالي، تراجع القدرة الشرائية.
يصعب محاججة هذه الفرضية. فهي تقوم على معادلة تُعتبر من البديهيات في عُرف الاقتصاديين. لكن تحميل الزيادات النوعية في أجور موظفي القطاع العام، مسؤولية التدهور الأخير في سعر صرف الليرة، يتطلب مراجعة، من جهة المدى الزمني المعني به، لا من جهة النتائج المحتملة مستقبلاً. فالزيادات النوعية بدأت تُضخ منذ بداية شهر حزيران الجاري. ومنذ 24 أيار الفائت، حتى اليوم –أي خلال شهر- تراجع سعر صرف الليرة مقابل الدولار بنسبة 3.17%، وفق أسعار الصرف التي ينشرها موقع “الليرة اليوم”، أبرز المواقع المتخصصة برصد أسعار العملات في السوق الموازية بسوريا.
نسبة التراجع تلك، كفيلة بتحميل ضخ الزيادات النوعية في الأجور، مسؤولية هذا الانخفاض في سعر صرف الليرة. هذه النتيجة الأولية التي يمكن أن نخرج بها. لكن بالتدقيق في تفاصيل تحرك سعر الصرف خلال الشهر المعني بالبحث، نلحظ أن هذا السعر انخفض إلى مستوى قياسي بين 10 و11 حزيران، قبل أن يرتد للارتفاع ليقلّص خسائر الليرة بنسبة 2.23%. أي أن الأسواق امتصت ضخ السيولة الجديد، بأن قلّصت رد الفعل حيالها. ويمكن أن نلحظ، أن سعر صرف الليرة تحسّن في الأسبوع الأخير تحديداً، بنحو 1%. وهو ما يدفعنا للتريث في الحكم على مسؤولية زيادات الأجور الأخيرة عن تراجع الليرة. لا من حيث المبدأ. لكن من حيث التوقيت. إذ يبدو لنا أن تراجع الليرة خضع لعوامل أخرى مختلفة، في الفترة السابقة.
أبرز هذه العوامل، أثر الحرب الأميركية– الإسرائيلية ضد إيران على سلاسل التوريد والإمداد الإقليمية والدولية. ومن ثم على تكاليف نقل البضائع المستوردة إلى سوريا. وكذلك، على أسعار المحروقات المحلية التي شهدت قفزة بنسب تتراوح ما بين 17 و30%، قبل نحو شهرين. ويتضح أثر هذا العامل بمقارنة سعر صرف الليرة مقابل الدولار، قبل بدء الحرب، واليوم. إذ تراجع سعر صرف الليرة مقابل الدولار بنسبة 21.50%، منذ 28 شباط الفائت.
لا يعني ذلك، أن الليرة كانت بخير تماماً، قبل الحرب. إذ كان لافتاً أن سعر صرفها لم يشهد أي تحسّن يُذكر، مع دخول الموسم الرمضاني في 18 شباط الفائت، خلافاً للروتين السنوي المعتاد، والذي يرتفع فيه سعر صرف الليرة مع دخول الموسم الرمضاني تحت تأثير ارتفاع حوالات المغتربين. وهو ما يؤشر إلى أن عاملاً آخر كان يضغط على الليرة، لكن تجلّي أثره كان بطيئاً. ونقصد بذلك، العامل الأكثر عمقاً، وهو الاختلال النوعي في الميزان التجاري. إذ لا تشكّل الصادرات إلا 15%، منه، وفق تقديرات متداولة في أوساط الخبراء المحليين. ولفهم كيف يعمل هذا العامل، نلفت إلى أن سعر صرف الليرة مقابل الدولار بقي مستقراً نسبياً، بين 28 كانون الأول 2025 و28 شباط 2026. لكن مع بدء الحرب، اتخذ سعر صرف الليرة مساراً متسارعاً نحو الهبوط. أي أن الاختلال في الميزان التجاري السوري كان أشبه بسبب كامن لـ”المرض”، حرّضه أثر الحرب على سلال التوريد، ليتحوّل إلى أعراض ظاهرة بقوة. وهي الأعراض التي نعتقد أن الليرة بقيت تحت وطأتها حتى بداية شهر حزيران الجاري. وهو ما يقلّص –في اعتقادنا- من أثر ضخ زيادات الرواتب على سعر الصرف، في الفترة السابقة. لكن ذلك لا يعني، أن هذا الأثر لن يظهر في الفترة المقبلة.
في الصيف الفائت، وتحديداً منذ مطلع شهر آب وحتى منتصف أيلول 2025، خسر سعر صرف الليرة مقابل الدولار، نحو 10.15%. كان ذلك نتيجة مباشرة لضخ زيادات الرواتب التي أُقرّت نهاية حزيران 2025، بنسبة 200%. والزيادات النوعية الجديدة تضيف ضخ سيولة بنسبة مماثلة -200%، وفق تصريحات وزير المالية الأخيرة، والتي أشارت إلى ارتفاع كتلة الأجور والرواتب الشهرية بنسبة 400%، خلال سنة ونصف.
وبذلك نخلص إلى أنه، منذ مطلع العام الجاري، وحتى الآن، انخفض سعر صرف الليرة بنسبة 21.50%، كانت الزيادات النوعية في الرواتب، مسؤولة عن 3.17% منها. أي أن هذه الزيادات لم تكن العامل الحاسم في انخفاض الليرة، بالفترة السابقة. لكنها ستكون كذلك، في الفترة المقبلة. إلا إن اتخذت الحكومة إجراءات إنعاشية للقطاع الإنتاجي.
إحدى أنجع الإجراءات لتحقيق ذلك، إعادة فتح باب التسهيلات الائتمانية للمشاريع الإنتاجية، الصغيرة والمتوسطة. وكان من المفترض أن يسبق هذا الإجراء، ضخ سيولة زيادات الرواتب، كي يتحوّل ضخ السيولة من محركٍ للطلب الاستهلاكي وزيادة الطلب على القطع الأجنبي لتلبية حاجات الاستيراد، إلى محرك للإنتاج المحلي، يزيد من حجم السلع والبضائع المنتجة محلياً، فيمتص التضخم الناجم عن زيادة السيولة.
وإن تأخر الوقت، لكن الأوان لم يفت بعد. لذا على السلطات المعنية المسارعة لإنعاش قطاع الإقراض المصرفي المعني بالمشاريع الإنتاجية، الصغيرة والمتوسطة، في أسرع وقت ممكن.
























