في خطاب متلفز، عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خريطة للشرق الأوسط، قدّم من خلالها تصوّر حكومته لمصادر التهديد في الإقليم، مصنّفاً عدداً من الدول بوصفها تشكّل خطراً مباشراً على إسرائيل، وفي مقدمتها إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن.
يثير إدراج سوريا ضمن هذه الخريطة تساؤلات كبيرة، ولا سيما في ضوء التحوّلات السياسية التي شهدتها البلاد عقب سقوط نظام بشار الأسد، وتوقيع اتفاق أمني مع السلطة الجديدة. ويبدو هذا التصنيف، في هذا السياق، متناقضاً مع الخطاب الإسرائيلي والأميركي المعلن حول السعي إلى تغيير “سلوك” بعض الفاعلين الإقليميين، ما يستدعي مقاربة تفسيرية أوسع تتجاوز تقييم سياسات الحكم السوري الجديد بحدّ ذاتها.
يمكن فهم استمرار الخطاب الإسرائيلي العدائي تجاه سوريا، وإصرار نتنياهو على إدراجها ضمن سردية “محور الشر”، بوصفه تعبيراً عن مقاربة إسرائيلية استراتيجية في المنطقة تقوم على فلسفتين، الأولى: السعي لتحقيق إسرائيل الكبرى وبالتالي السيطرة على الجغرافيا المحيطة. والثانية: رفض الاعتراف بأيَّة تحوّلات إقليمية لا تخضع للهيمنة الاسرائيلية.
وانطلاقاً مما سبق، يصبح وضع سوريا من ضمن “محور الشر”، لا يتعلّق حصراً بطبيعة النظام السياسي القائم في دمشق، بقدر ما ترتبط بالطمع الإسرائيلي في الجغرافيا السورية، وموقع سوريا المحتمل ضمن أيَّة توازنات إقليمية جديدة.
مركزية الدولة السورية في الحسابات الإسرائيلية
تحتلّ الجغرافيا موقعاً محورياً في التفكير الأمني الإسرائيلي، حيث تُنظر إليها بوصفها عاملاً دائماً لإنتاج التهديد وعدم الاستقرار. وتنطلق هذه الرؤية من اعتبار إسرائيل دولة ذات مساحة محدودة تفتقر إلى عمق جغرافي استراتيجي، وهذا ما يجعل محيطها الإقليمي، ولا سيما دول الطوق، مصدراً دائماً للهواجس الأمنية.
ضمن هذا الإطار، تبرز سوريا بوصفها الدولة الأكبر جغرافياً والأكثر تأثيراً في محيط إسرائيل المباشر. فموقعها المطلّ على الجولان، ودورها كعمق استراتيجي للساحة اللبنانية، فضلاً عن تماسها الجغرافي والسياسي مع العراق وتركيا، يمنحها وزناً خاصاً في معادلات الأمن الإقليمي.
منذ بدء الحرب السورية، قامت المقاربة الإسرائيلية تجاه سوريا على التعامل مع دولة محاصَرة، أو ضعيفة، أو غارقة في أزماتها الداخلية، بما يحدّ من قدرتها على الفعل الإقليمي المستقل. لذا، إن سيناريو سوريا الخارجة تدريجياً من الفوضى، القادرة على إعادة بناء مؤسساتها، المنفتحة على فضاءات إقليمية جديدة، ولا سيما عبر البوابة التركية، يطرح تحدّياً مختلفاً من وجهة النظر الإسرائيلية.
وعليه، تكمن المشكلة الإسرائيلية، ليس في العداء السوري المعلن أو عدمه، بل في نشوء حالة من الاستقرار السياسي خارج الشروط الإسرائيلية. ومن هنا، يمكن القول إن الفوضى في سوريا وفي دول الاقليم، من منظور أمني إسرائيلي، أقل خطورة من قيام دول مستقرة وقادرة على اتخاذ قراراتها السيادية بصورة مستقلة.
البعد التركي في إدراك التهديدات الإسرائيلية
يكتسب النفوذ التركي المتزايد في سوريا أهمية خاصة في الحسابات الإسرائيلية. فتركيا، في العقل الأمني الإسرائيلي، تمثّل حالة إشكالية منذ سنوات: هي ليست عدواً تقليدياً يمكن إدراجه ضمن معادلات الردع المباشر، ولا حليفاً استراتيجياً يمكن الركون إليه. تركيا عضو فاعل في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك اقتصاداً متماسكاً نسبياً، وقدرات عسكرية وتصنيعية متقدمة، إضافة إلى هامش واسع للمناورة السياسية داخل النظام الدولي.
وبينما يُنظر إلى إيران باعتبارها عدواً واضح المعالم، تمت إدارة الصراع معه ضمن قواعد اشتباك (سابقة)، ويمكن جرّ الولايات المتحدة إلى حرب مشتركة ضدها، تبدو تركيا قوة صاعدة يصعب اختزالها في خانة العداء الصريح. كما أن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع تركيا ستنطوي على كلفة سياسية ودبلوماسية دولية مرتفعة. كل ذلك، يجعل تركيا، من وجهة النظر الإسرائيلية، تحدّياً أكثر تعقيداً على المدى المتوسط والبعيد، أي حينما ينتهي نتنياهو “من المحور الشيعي المتهالك” وينتقل “الى المحور السنّي المتشكّل” وفق رؤيته لمستقبل الصراع في المنطقة.
في هذا السياق، لا تُقيَّم سوريا، في التصور الإسرائيلي، انطلاقاً من تغيّر نظام الحكم فيها أو من خطاب السلطة الجديدة أو حتى من توقيعها اتفاقات أمنية، بل من موقعها المحتمل داخل شبكة إقليمية أوسع يُتوقّع أن تلعب تركيا دوراً قيادياً فيها. وعليه، إن خروج سوريا من دائرة النفوذ الإيراني لا يُنظر إليه بوصفه انتقالاً إلى “فضاء آمن”، بل باعتباره احتمال انتقال من مدار إقليمي إلى مدار آخر مستقل عن الإرادة الإسرائيلية.
- المدن


























