دخل لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية من أجل إنهاء الحرب والدفع باتجاه تحقيق سلام بين لبنان وإسرائيل، لكنَّ السلام بحد ذاته مثار تساؤل كبير، ليس لأنه هدف صعب المنال -وهو كذلك بالفعل– بل لأن تبني إسرائيل لهذا المطلب لا ينسجم مع نزعتها التوسعية في دول الجوار.
مع ذلك، فإن دوافع ترامب تبدو أقل أهمية في الواقع من الأهداف التي يسعى إليها نتنياهو في لبنان، حيث تُواجه إسرائيل معضلة مزمنة في إنهاء حالة “حزب الله” ونزع سلاحه، وحتى لو واصلت هذه الحرب لفترة طويلة، فإن قدرتها على تحقيق هذا الهدف تبقى غير واقعية.
ولأنّ نتنياهو يُدرك جيداً أن انخراط الدولة اللبنانية في مفاوضات مع إسرائيل من أجل السلام لن يؤدي إلى السلام، بل إلى اقتتال أهلي لبناني وصدام مُسلح بين الدولة و”حزب الله”، فإن دوافع نتنياهو الحقيقية في لبنان تُصبح أكثر وضوحاً.
وحتى لو قدَّم نتنياهو انخراط الدولة اللبنانية في جهود نزع سلاح “حزب الله” على أنه وسيلة للتخلص من هذا السلاح، فإن النتائج المترتبة على حرب أهلية لبنانية هي هدف إسرائيلي بحد ذاته وليست نتيجة عرضية، فمثل هذه الحرب ستُوجد وضعاً مناسباً لإسرائيل لإضعاف ما تبقى من الدولة اللبنانية على نحو أكبر، وتشريع هذا الوضع كمُبرّر لها لاحتلال أجزاء واسعة من الجنوب اللبناني بذريعة حماية نفسها من الفوضى الخارجة عن السيطرة في لبنان.
أكثر ما يُقلق سوريا في لبنان في هذه المرحلة هو احتمال انزلاق البلاد إلى حرب أهلية، فمثل هذا الانزلاق لن تقتصر تداعياته الأمنية على حدود لبنان، بل قد يهدّد بتقويض الاستقرار الأمني في سوريا أيضاً..
عند الحديث عن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية ومخاطر انزلاق لبنان إلى حرب أهلية -وهي مخاطر حقيقية بالفعل- فإن الأمر لا يتعلق بطبيعة الحال بلبنان وإسرائيل فقط، بل يشمل سوريا أيضاً التي ستتأثر بمسارات هذه المفاوضات وبمسارات الوضع الداخلي في لبنان بمعزل عن أشكالها ومآلاتها.
إنّ أكثر ما يُقلق سوريا في لبنان في هذه المرحلة هو احتمال انزلاق البلاد إلى حرب أهلية، فمثل هذا الانزلاق لن تقتصر تداعياته الأمنية على حدود لبنان، بل قد يهدّد بتقويض الاستقرار الأمني في سوريا أيضاً، علاوة على ذلك، لا تُخفي إسرائيل أهدافها التوسعية في لبنان وسوريا على حد سواء.
وقد تحدث نتنياهو مؤخراً عن إنشاء إسرائيل، لأول مرة، منطقة آمنة على طول حدود لبنان تمتد إلى اليرموك في سوريا، وهنا تزداد مشروعية القلق السوري من مساعي إسرائيل لتكريس وضع احتلالي طويل الأمد في جنوب لبنان بحيث يدفعها إلى إنشاء وضع مشابه على الحدود مع سوريا أيضاً.
كانت سوريا قد دخلت بالفعل في مسار تفاوضي مع إسرائيل للتوصل إلى اتفاقية أمنية تُعيد الوضع على الحدود إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، لكن هذه المفاوضات لم تُؤدِ إلى نتائج حتى الآن، ويرجع السبب في ذلك إلى حقيقتين: الأولى أن إسرائيل دخلت في مفاوضات مع سوريا كنتيجة للضغط الأميركي، كما هو الحال مع لبنان أيضاً، وليس كنتيجة لرغبتها في التوصل إلى اتفاق؛ والثانية -وهي الأخطر- أن إسرائيل لم تتخلَّ عن أهدافها التوسعية في جنوب سوريا.
وعليه، فإن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية سيكون لها ارتدادات كبيرة على المسار التفاوضي بين سوريا وإسرائيل، إما لجهة أن نجاحها -وهو مُستبعد- سيُعطي زخماً جديداً لفرض التوصل إلى اتفاق أمني سوري-إسرائيلي، أو لجهة تداعياتها على الداخل اللبناني، وهو الأكثر ترجيحاً.
قدرة الولايات المتحدة على ضمان نجاح المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية تبدو مثار شك، فما تزال العلاقات اللبنانية السورية الجديدة تمر في فترة بناء واختبار الثقة، لكن الخيارات الاستراتيجية لا تحتمل غياباً أو ضعفاً في تنسيق الموقف بين البلدين في العلاقة مع إسرائيل..
أدى تورّط “حزب الله” في الحرب من أجل دعم إيران إلى تعميق مأزق الدولة اللبنانية مع إسرائيل، حيث دفعها إلى التفاوض معها في لحظة ضعف كبيرة، لكن الذهاب إلى المفاوضات بمعزل عن التنسيق مع سوريا -والذي لا يظهر أنه قائم بالفعل- سيزيد من ضعف الموقف اللبناني أولاً، وسيُضعف كذلك موقف سوريا في المفاوضات مع إسرائيل.
إن أكثر ما تأمله دمشق هو أن تؤدي المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية إلى اتفاق يقطع الطريق على خطط إسرائيل التوسعية في جنوب لبنان ولا يؤدي إلى وضع داخلي لبناني عالي المخاطر عليها، لكن تجربتها التفاوضية مع إسرائيل لا تُعزز هذه الآمال على أية حال.
كذلك، فإن قدرة الولايات المتحدة على ضمان نجاح المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية تبدو مثار شك، فما تزال العلاقات اللبنانية السورية الجديدة تمر في فترة بناء واختبار الثقة، لكن الخيارات الاستراتيجية لا تحتمل غياباً أو ضعفاً في تنسيق الموقف بين البلدين في العلاقة مع إسرائيل، فمثل هذا التنسيق لا يُعزز موقف البلدين فحسب في لعبة التفاوض، بل يُساعد لبنان وسوريا على الاستعداد جيداً للمخاطر المُحتملة المترتبة على فشل المسارات التفاوضية وعلى ارتداداتها على الداخل اللبناني.
- تلفزيون سوريا


























