دمشق – “القدس العربي”:
افتتحت صالة الفيحاء الرياضية في العاصمة دمشق، يوم الإثنين، بعد عملية إعادة تأهيل شاملة، وبحضور رسمي رفيع المستوى، لتعود من جديد كمنشأة رياضية مهيأة لاستضافة البطولات والفعاليات الخاصة بكرة السلة.
وجاء الافتتاح مترافقا مع مباراة كرنفالية جمعت منتخبي سوريا ولبنان، انتهت بفوز المنتخب اللبناني، وسط حضور الرئيس السوري أحمد الشرع وعدد من الوزراء، إلى جانب شخصيات رياضية وشبابية. وتخلل الحفل عرض فني سبق انطلاق المباراة، تضمن فقرات احتفالية كان من بينها أداء نشيد “في سبيل المجد”، ما أثار تساؤلات حول إمكانية اعتماده كنشيد وطني للبلاد، في ظل استمرار النقاشات المتعلقة بهوية النشيد الوطني في المرحلة الانتقالية.
وفي ظل النقاشات التي رافقت حفل الافتتاح بشأن دلالات اختيار “في سبيل المجد” كنشيد وطني في المرحلة الحالية، أوضح أستاذ تاريخ سوريا المعاصر في جامعة زيتونة الخاصة، وأمين عام الحركة الوطنية السورية الدكتور زكريا ملاحفجي أن طرح نشيد “في سبيل المجد” للشاعر عمر أبو ريشة، والذي اعتمدته قوى المعارضة طوال سنوات الثورة، يندرج ضمن سياق البحث عن رمزية وطنية جامعة، مختلفة عن رمزية نظام الأسد السابق.
وأشار المتحدث لـ “القدس العربي” إلى أن نشيد “حماة الديار” لا يرتبط بحزب البعث كما يعتقد، بل يعود اعتماده إلى مرحلة استقلال سوريا، حيث تم استخدامه رسميًا منذ عام 1946، قبل أن يتوقف العمل به خلال فترة الوحدة مع مصر، حين تم اعتماد نشيد الجمهورية العربية المتحدة، ثم عاد “حماة الديار” مجددًا بعد الانفصال.
خيارات أقل إشكالية
وبرأي المتحدث فإن النشيد الوطني في أي دولة، لا سيما في سياق انتقالي، يفترض أن يكون رمزا حياديا يعكس فكرة الدولة الجامعة، بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية أو ارتباطه بذاكرة مرحلة بعينها، وأن يستند إلى شرعية قانونية وتوافق مجتمعي واسع.
وأضاف أن فكرة طرح مسابقة لاختيار نشيد وطني جديد طُرحت في فترة سابقة، لكنها أثارت جدلا واسعا، إذ اعتبر أن مثل هذا القرار لا يمكن أن يتم دون إطار دستوري وموافقة برلمانية. وبيّن أن الإبقاء على أحد النشيدين، سواء “في سبيل المجد” الذي اعتمدته المعارضة أو “حماة الديار” المعتمد منذ الاستقلال، يعد خيارا أقل إثارة للانقسام، مقارنة بطرح نشيد جديد قد يؤدي إلى شرخ اجتماعي وسياسي، لافتا إلى أن “في سبيل المجد” يبدو أنه سيبقى معتمدا مؤقتا إلى حين تشكيل لجنة مختصة ضمن البرلمان، وإقرار دستور دائم يُطرح للاستفتاء الشعبي.
ملاحفجي: النشيد الوطني في أي دولة، لا سيما في سياق انتقالي، يفترض أن يكون رمزا حياديا يعكس فكرة الدولة الجامعة
واستعرض المتحدث تاريخ الأناشيد في سوريا في مرحلة ما قبل البعث، موضحا أنه في عام 1920، وخلال عهد الملك فيصل الأول، استخدم “السلام الملكي السوري” بطابع ملكي تقليدي يعكس بنية الدولة الناشئة آنذاك. ومع دخول فترة الانتداب الفرنسي، لم يكن هناك نشيد وطني سيادي ثابت، بل برزت أناشيد وطنية شعبية عكست روح المقاومة، إلى أن تبلور لاحقا نشيد “حماة الديار عليكم سلام”. وبعد الاستقلال عام 1946، اعتمد هذا النشيد رسميا، وهو من كلمات خليل مردم بك وألحان محمد فليفل، وتميّز بكونه أقرب إلى صيغة وطنية جامعة تمجّد الوطن والجيش دون انحياز أيديولوجي حاد، ما منحه قابلية للاستمرار في الوجدان السوري.
وتابع أنه خلال مرحلة الوحدة مع مصر بين عامي 1958 و1961، تم استبدال النشيد بنشيد الجمهورية العربية المتحدة في ظل قيادة جمال عبد الناصر، وهو نشيد ذو طابع قومي عربي يعكس مشروع الوحدة، قبل أن يعود “حماة الديار” بعد الانفصال عام 1961 باعتباره التعبير الأقرب عن الهوية الوطنية السورية المستقلة.
وخلص ملاحفجي إلى أن الأناشيد في سوريا كانت تعبيرا عن المرحلة السياسية، مشيرا إلى أن “حماة الديار” بقي الأكثر رسوخا لفترات طويلة لنجاحه النسبي في تحقيق معادلة الرمز الوطني الجامع، في حين أن “في سبيل المجد”، الذي اعتمدته المعارضة، يبدو مرشحا للاستمرار في المرحلة الراهنة إلى حين تشكيل مجلس شعب وإقرار دستور دائم، حيث سيتم حينها إما تثبيته رسميا أو تغييره، وهو خيار يراه أقل إشكالية من طرح نشيد جديد في مرحلة انتقالية حساسة.
استحضار مرحلة جديدة
وفي سياق الجدل المستمر حول هوية النشيد الوطني في المرحلة الانتقالية، تحدث المحلل السياسي درويش خليفة عن أبعاد طرح نشيد “في سبيل المجد” وإمكانية اعتماده. وحسب ما أوضح لـ “القدس العربي”، فإن نشيد “في سبيل المجد”، قد كتب في لحظات تاريخية مفصلية من عمر سوريا، حين كانت الخطابات والشعارات التعبوية ذات الطابع العروبي والإسلامي سائدة، لا سيما خلال مرحلة مقاومة الاحتلال الفرنسي.
خليفة: نشيد “في سبيل المجد”، قد كتب في لحظات تاريخية مفصلية من عمر سوريا
وأضاف أنه جرى لاحقا طرح اعتماد هذا النشيد في المرحلة الانتقالية، بوصفه خيارا يبتعد عن العودة إلى نشيد “حماة الديار”، وفي الوقت ذاته يعكس رغبة في طي صفحة الماضي واستحضار مرحلة جديدة تتطلع إليها البلاد. وأشار إلى أنه من الناحية التقنية، تم تنظيم مسابقة في وزارة الثقافة لكتابة نصوص تلحن لاحقا، تمهيدا لاختيار نشيد وطني عبر التصويت. غير أن هذه المبادرة، وفق ما أظهرته ردود الفعل، لم تحظ بقبول واسع، وأثارت استياء لدى بعض النخب الثقافية والسياسية، بسبب عدم اقتناعهم بمستوى النصوص المقدّمة. ولفت إلى أن هذه التطورات تأتي في سياق ما بعد الثورة السورية، التي استمرت قرابة أربعة عشر عاما حتى إسقاط النظام السابق، ما يجعل مسألة النشيد الوطني جزءا من إعادة تشكيل الهوية السياسية والثقافية للبلاد.
نقاط قوة
كما أثار إشراك متسابقين من خارج سوريا انتقادات في الرأي العام، إذ اعتبر كثيرون أن هذه المرحلة ينبغي أن تعبر بشكل خالص عن السوريين، في ظل وجود نخب ثقافية وشعراء وكتّاب قادرين على إنتاج نص يواكب المرحلة الجديدة. وبيّن خليفة أنه بناء على ذلك، من المرجح أن يطرح النشيد للتصويت في البرلمان المزمع عقده مطلع الشهر المقبل، أو أن يؤجل حسمه إلى حين إقرار دستور دائم، ليعتمد لاحقا عبر استفتاء شعبي. وختم بالإشارة إلى أن إحدى نقاط قوة نشيد “في سبيل المجد”، من وجهة نظر مؤيديه، تتمثل في عدم ارتباطه بحقبة حزب البعث، وهو ما قد يمنحه قابلية أوسع للتوافق، ويجعل الإبقاء عليه خيارا مطروحا على المدى الطويل.
نشيد جدلي
من جانبه، اعتبر ميشيل حنا الحواط في تعليق له عبر موقع “فيسبوك” أن نشيد “في سبيل المجد” يعد نشيدا جدليا لا يمثل جميع السوريين، مشددا على ضرورة اعتماد نشيد وطني جديد يعبر عن الهوية السورية بصيغة جامعة، خالية من أي إشارات إلى العروبة أو الدين أو الطائفة.
وأوضح أن كلمات النشيد الحالي، عند التمعن فيها، تظهر تلازما بين البعد العروبي والديني، وهو ما قد لا يعكس تنوّع المجتمع السوري، مؤكدا أن الأدباء السوريين قادرون على صياغة نشيد وطني جامع، يخاطب جميع السوريين دون تمييز أو تفضيل، ويضع الوطن السوري كقيمة جامعة فوق كل الاعتبارات الأخرى. وتابع الحواط حديثه بالإشارة إلى أن هوية سوريا تقوم على مزيج ثقافي وحضاري عريق ومتجذر في التاريخ، يضم مكونات متعددة من عرب وسريان وأكراد وأرمن وغيرهم، معتبرا أن هذا التنوع هو مصدر غنى الهوية السورية وركيزة أساسية في تشكيل حضارتها.
- القدس العربي

























