لم تعد السويداء مجرّد محافظة خرجت من قبضة دمشق بعد صيف دموي. ما يجري فيها اليوم أكبر من نزاع محلي على إدارة مدينة أو تعيين مدير أو تشكيل مجلس. يصف مصدر “أساس” من داخل السويداء المشهد: المحافظة دخلت فعليًا مرحلة صراع على الشرعية؛ من يملك القرار الأمني؟ من يدير المؤسسات؟ من يتحدث باسم الدروز؟ ومن يفاوض الدولة، أو الخارج، باسم الجبل؟ هذا هو جوهر المشهد الآن، فيما تتزاحم الهياكل المحلية، وتتراجع الدولة، وتتصاعد الاعتراضات من داخل البيئة نفسها التي قادت مرحلة ما بعد تموز 2025.
جاء قرار الشيخ حكمت الهجري في نيسان 2026 بحلّ “اللجنة القانونية العليا” وطرح إطار إداري جديد للمحافظة، في محاولة واضحة لإعادة تنظيم السلطة المحلية تحت سقف المرجعية الروحية. لكن هذه الخطوة، بحسب المصدر، بدل أن تؤسس لاستقرار داخلي، فتحت بابًا جديدًا للخلاف. ما تسرّب لاحقًا عن عزوف شخصيات إدارية وسياسية عن المشاركة في المجلس المقترح، أظهر أن المشكلة لم تعد فقط بين السويداء ودمشق، بل داخل السويداء نفسها: بين من يرى أن المرحلة تحتاج إلى إدارة موحدة بقيادة الهجري، ومن يعتبر أن تكوين مرجعية محلية جديدة لا يجوز أن يتم فوق الاعتراضات السياسية والاجتماعية المتزايدة. هذا التردد في الانخراط ليس تفصيلًا تنظيميًا؛ إنه مؤشر على أزمة تمثيل آخذة في الاتساع.
ما زاد المشهد تعقيدًا، يضيف مصدر مطّلع، أن التوتر انتقل من مستوى التجاذب السياسي إلى مستوى الاحتكاك اليومي مع مؤسسات الدولة. معركة مديرية التربية في السويداء، بما حملته من اقتحام وضغط واعتراض على تعيينات صادرة من دمشق، لم تكن حادثة إدارية معزولة، بل تعبيرًا عن سؤال أكبر: هل ما زالت مؤسسات الدولة قادرة على العمل في المحافظة من دون موافقة مراكز القوة المحلية؟ وعندما يصبح تنفيذ قرار إداري مرهونًا بموازين النفوذ المسلحة والرمزية، فهذا يعني أن السويداء دخلت عمليًا في نموذج إدارة هجينة: لا هي سيادة دولة كاملة، ولا هي حكم محلي مستقر.
المشكلة لم تعد فقط بين السويداء ودمشق، بل داخل السويداء نفسها
يضيف المصدر: في الوقت نفسه، تتسع فجوة الثقة داخل الشارع نفسه. محاولة اغتيال الشاب عناد مكارم، بعد تهديده بـ“انتفاضة شعبية” ضد “الحرس الوطني”، لم تُقرأ فقط كحادثة أمنية، بل كإشارة إلى أن الاعتراض بات يطال القوى التي برزت داخل السويداء بوصفها حامية للجبل بعد صيف 2025.

من جهة أخرى، أكدت مصادر مقرّبة من الحرس الثوري ومن الشيخ حكمت الهجري لـ”أساس” أن الشاب مكارم ليس ضحية رصاصة عابرة بقدر ما قد يكون ضحية محاولة متعمّدة لتفجير فتنة، نافية بشكل قاطع أي علاقة لها بما أصابه، ومرجّحة أن تكون الجهة التي تقف خلف الرصاصة تسعى إلى إلصاق التهمة بالحرس الثوري وبمحيط الشيخ حكمت الهجري، ودفع السويداء إلى مزيد من التوتر والانقسام.
هذا كله يجري فيما تحاول دمشق، على مستوى آخر، تثبيت صورة دولة تستعيد أطرافها تدريجيًا، وتفتح في الوقت نفسه قنوات تفاوض وتهدئة في ملفات أخرى أكثر حساسية، بينها إسرائيل.
في هذا السياق نفسه، جاءت تصريحات المبعوث الأميركي توم بارّاك في أنطاليا لتضيف بُعدًا آخر إلى المشهد. فقد قال إن النظام السوري بقيادة أحمد الشرع لم يطلق رصاصة واحدة باتجاه إسرائيل، بل إن الشرع أكد أنه لا يريد علاقة عدائية مع إسرائيل، ولا أن يكون في حالة حرب معها، بل يسعى إلى اتفاقية عدم اعتداء، واتفاقية تطبيع. وأضاف أن سوريا كانت “بارعة” في عدم الانجرار إلى الصراع، رغم استمرار التوغلات الإسرائيلية وعبور تلك الخطوط كلما رصدت إسرائيل ما تعتبره تهديدًا أو قافلة، بسبب انعدام الثقة حتى الآن بإمكان الاعتماد على المؤسسة العسكرية السورية، سواء الداخلية أو الخارجية، في خلق منطقة تهدئة.
في ما يخص السويداء تحديدًا، تطرّق بارّاك إلى ملف الدروز بوصفه أحد العناصر الشائكة في هذا المشهد
لم يقف كلام بارّاك عند هذا الحد. فقد قال أيضًا إن بنيامين نتنياهو كان واضحًا جدًا في جميع دوائره بأن كل شيء تغيّر منذ 7 أكتوبر، وإنه لم يعد يكترث بالحدود أو الترسيمات، ولا بخطوط عام 1967، ولا بخط عام 1974، ولا حتى بخط الثامن من ديسمبر. وفي رأيه، وفي رأي من يعملون معه، كانت سوريا بارعة في عدم اتخاذ موقف عدائي ضد إسرائيل، لأن لا جدوى من ذلك، وقد أكدت مرارًا أنها مستعدة للحوار. وكشف أيضًا أنه قاد خمس جلسات نقاشية نيابة عن الرئيس، جمعت وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني برون ديرمر ممثلًا عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وأن هذه الجلسات اقتربت جدًا من تحقيق نتائج قبل أن يتبخر المسار.
في ما يخص السويداء تحديدًا، تطرّق بارّاك إلى ملف الدروز بوصفه أحد العناصر الشائكة في هذا المشهد. وقال إن إسرائيل تبنّت وجهة نظر مفادها أن الدروز في جنوب سوريا وعلى طول الحدود السورية هم، في نظرها، أبناء عمومة لدروز إسرائيل. وذكّر بأن أحداث السويداء، التي كانت صعبة للغاية في بداية عهد الشرع، أدّت إلى عبور إسرائيليين الحدود لحماية أبناء طائفتهم من الدروز. بهذا المعنى، يقول مصدر “أساس”: “لم تعد المحافظة تُقرأ فقط من زاوية علاقتها المتوترة مع دمشق، بل أيضًا من زاوية موقعها في الحسابات الإقليمية المحيطة بالجنوب السوري، وخصوصًا حين يتداخل الملف الأهلي المحلي مع الأطماع الأمنية الإسرائيلية وحدود الاشتباك الجديدة في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر”.
المحافظة صارت، بحسب ما يشرح المصدر لـ”أساس”، عقدة تختبر عدة أشياء دفعة واحدة: قدرة دمشق على استعادة الجنوب من دون انفجار جديد، وقدرة المرجعيات المحلية على التحول من قيادة احتجاجية وأمنية إلى إدارة فعلية، وقدرة المجتمع نفسه على تجنب الانقسام الداخلي بعد أن توحّد سابقًا تحت ضغط الدم والخوف.
- أساس ميديا






















