على بعد أيّام من انعقاد مجلس الشعب السوري بكتلتَيه، “المنتخَبة” وفق آليات الهيئة العليا للانتخابات، و”المعيَّنة” عبر الاختيار المباشر من رئيس الجمهورية، تطرح عدّة تساؤلات جوهرية على القيادة السورية مع هذه الخطوة المفصلية في المرحلة الانتقالية، لأنّ مجلس الشعب يمثّل حجر أساس في بناء دولة القانون والمؤسّسات، إلا أنّ القيمة المرتجاة منه ليست بوجوده الشكلي، بل بمدى فاعليته وقدرته على رسم حدود علاقته بالسلطات الأخرى، لإعادة تشكيل التوازن بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أنّ الهيئات المناطقية التي تولّت اختيار الأعضاء اعتمدت، في معظمها، على معايير السمعة الحسنة، والحضور الثوري، وهو ما يعكس توجّهاً نحو تمثيل شخصيات فاعلة مجتمعياً خلال المرحلة السابقة، غير أنّ هذا يضع على عاتق رئيس الجمهورية، الذي سيعيّن 70 عضواً، مسؤوليةً مضاعفةً في اختيار كفاءات تمتلك القدرة الحقيقية على العمل التشريعي، لا الاكتفاء بإحداث توازن شكلي، خصوصاً في غياب تمثيل متوازن لمكوّنات الشعب السوري كافّة، خصوصاً النساء. ومع ذلك، تبقى القيمة الحقيقية لهذا التوازن مرهونةً بكفاءة كلّ عضو، ودوره الفعلي داخل المجلس، بما يضيف إلى القائمة المنتخَبة من الهيئات الانتخابية قوّةً تشريعيةً حقيقيةً، لا مجرّد حضور عددي.
فبحسب السائد في سورية، كان مجلس الشعب مجرّد حالة غير فاعلة حقيقةً في حياة الشعب، فهو مرّر خلال سنوات حكم الأسدَين (الأب والابن) مشروعات قوانين ودساتير منحتهما حكماً مطلقاً، وسمحت بتمرير التوريث بين حافظ الأسد وابنه بشّار، من دون سند قانوني، أو بند دستوري يسمح بهذا، بل جرى تعديل الدستور لهذه المهمّة خلال دقائق بعد وفاة الأب، ليتناسب مع عمر الابن الذي كان يخالف بنود الدستور، ما يجعل اندفاعة السوريين لمراقبة خطوات المجلس التشريعي حذرةً، ومترقّبةً لما ستؤول إليه الأمور، خصوصاً بعد ثورة دامت 14 عاماً، ومئات الآلاف من الضحايا، وتشريد نصف سكّان سورية، وانتهت بإسقاط نظام الأسد وتحرير سورية من قبضته.
أي مجلس لا يمتلك صلاحيات فعلية في التشريع والرقابة، ولا يستطيع مساءلة السلطة التنفيذية، يتحوّل بطبيعته إلى أداة لتجميل قرارات الحكومة بدلاً من تقويمها
لهذا، الأسئلة التي تراود كثيراً منّا تتمحور حول: هل سيكون المجلس التشريعي سلطةً حقيقيةً أم مجرّد غطاء شكلي، باعتبار طريقة اختيار أعضائه اقتصرت على هيئات ناخبة مصغّرة، واعتمدت في اختيار كثير من أعضائه على معرفة محدودة نسبياً، بما يمكن لهؤلاء أن يقدّموا في العملية التشريعية الملقاة على عاتقهم، من تنظيم واقع القوانين، وإعادة صياغتها، بما يتوافق مع دولة تعيد بناء قدراتها من تحت الدمار المروّع الذي خلّفه الحكم السابق؟
أي مجلس لا يمتلك صلاحيات فعلية في التشريع والرقابة، ولا يستطيع مساءلة السلطة التنفيذية، يتحوّل بطبيعته إلى أداة لتجميل قرارات الحكومة بدلاً من تقويمها. فجوهر العمل التشريعي يقوم على الاستقلالية والقدرة على تمثيل إرادة الشعب، لا على تمرير السياسات المعدَّة مسبقاً. لذلك، معيار الحكم على جدّية المجلس يكمن في مدى قدرته على الاعتراض والتعديل، وليس في طريقة اختيار أعضائه فقط، مع أهمّيتها في الحياة الديمقراطية المأمولة.
نجاح مهمّة المجلس في هذه الفترة يجب ألا يُنسي أعضاءه أنّه مجلس مرحلي، مهمّته تمهيد الطريق إلى انتخابات حرّة ونزيهة من خلال إعداد البيئة القانونية والسياسية التي تجري فيها الانتخابات، والتعاطي مع صياغة العقد الاجتماعي الجديد بما يؤسّس دستوراً دائماً للبلاد تستقرّ به حياة السوريين، وتنهي به الفترة الانتقالية، وهو ما يستلزم وضع إطار زمني واضح ومهامّ محدّدة، لأنّ أقصى ما يريده السوريون الانتهاء من ضرورات التعيين الاضطرارية، ومرحلة تبرير غياب الاستحقاقات الديمقراطية.
ولعلّ التحدّي الأكبر كيفية تأسيس عمل المجلس ضمن نظام قائم على الفصل بين السلطات. فالتداخل، أو هيمنة السلطة التنفيذية على التشريعية، كما اعتدنا خلال العقود الستّة الماضية، يجعل المهمّة أصعبَ، لأنّها يجب أن تنطلق من عمل مُضنٍ لإلغاء الموروث، والتأسيس لنظام سياسي يقوم على التوازن والتكامل بين السلطات الثلاث، وهو شرط أساس لنجاح أي تجربة مؤسّسية.
قيمة المجلس التشريعي تحدّدها وظيفته، فإمّا أن يكون خطوةً حقيقيةً نحو بناء نظام يقوم على المشاركة والمساءلة، أو أن يتحوّل إلى واجهة شكلية تكرّس الواقع القائم. والفيصل في هذا وضوح الصلاحيات، والإرادة السياسية، ومدى إشراك الشعب في رسم مستقبل مؤسّساته.
- العربي الجديد























