حظيت بتجرية جديدة بالنسبة لي، حينما كُلّفت بإدارة ندوة حوارية ضمن إحدى فعاليات “منتدى سلامة كيلة الثقافي”، في مقهى الروضة الشهير، بدمشق. تمحورت الندوة حول “التحديات الاقتصادية في المرحلة الانتقالية” بسوريا. رافقت خلالها كلاً من الدكتور نبيل مرزوق، المختص بالتحليل والسياسات الاقتصادية، والباحث الاقتصادي، أحمد الرز، المحرر في نشرة “The Syria report“، ومحرر الشؤون الاقتصادية بجريدة “قاسيون”.
وقد تعلمت الكثير من هذه التجربة، وخرجت بجملة انطباعات ودروس من مجمل محاضرات المتحدثيَن، ومداخلات الجمهور الغنية. أولى تلك الانطباعات متعلّقة بالنخبة السورية التي كانت حاضرة في هذه الفعالية، ويغلب عليها، وفق المتحدثيَن والمداخلات، الخط اليساري. والكثير منهم من المناضلين القدامى في مجال الحريات وحقوق الإنسان والمجتمع المدني السوري.
بدت الأيديولوجيا والسياسة طاغيتان على التقييم الاقتصادي الصرف. ورغم المقاربات الغنية، التي قدّمها المحاضران، إلا أنها تمثّل حلولاً جزئية، غير كافية لخلق نموذج بديل عن ذاك الذي تطرحه الحكومة الانتقالية. وقد تضمنت المقاربات أفكاراً تتمتع بالفرادة والقيمة النوعية، من قبيل التركيز على الميزات المطلقة للاقتصاد السوري. أي ما نتميز به في سوريا، بشكل منفرد، عن معظم دول العالم. كتطوير استثمار النباتات الطبية، وغنم العواس، وموارد أخرى، تحقق عائدية مرتفعة للاستثمار. مقابل الميزات النسبية كالنفط والقمح والقطن والخدمات السياحية والعقارية، التي تجعلنا في منافسة غير متوازنة مع دول عديدة في العالم. وهو طرح يستحق كل اهتمام من صنّاع القرار الاقتصادي. لكنه يمثّل حلاً جزئياً في الحالة السورية الراهنة، لا يجيب عن السؤال الشائك: كيف سنعمّر المدن والبنى التحتية المدمّرة؟
جواب الحكومة الانتقالية: الخصخصة (الجزئية) والرهان على الاستثمار الخارجي. وهما طرحان يُنظر إليهما بريبة، وربما بإدانة، لدى شريحة واسعة من النخبة السورية، اليسارية، إن صح التوصيف. والتي ترى أن السلطة الحاكمة بعد سقوط نظام الأسد، تأخذ البلاد نحو نموذج تستقيل فيه الدولة من التزاماتها الاجتماعية تجاه شعبها المنهك معيشياً. ويطرحون بدلاً من ذلك، نموذجاً اقتصادياً يُبقي على الدعم الاجتماعي ودعم القطاع الزراعي، من دون أن يعطونا جواباً شافياً حول: من أين نموّل هذا “الدعم”؟ من الأجوبة الملفتة، نموذج مشاركة المجتمع في العملية التنموية، عبر إحداث شركات مساهمة، يساهم فيها السوريون بمبالغ رمزية، لكنها بحراك جماعي، قادرة على أن تشكّل قاطرة للنهوض الاقتصادي. كمثال، تمويل محطة لتوليد الكهرباء، لسكان دمشق، بمبلغ 100 دولار من كل أسرة. يمكن أن نتوقع، بصورة أولية، جمع 100 مليون دولار. لكن إلى أي حد يمكن لهكذا مساهمة أن تحل معضلة الكهرباء، بالفعل؟ إذ تحتاج مدينة كدمشق، بين 2 إلى 3 مليار دولار، لتمويل محطات توليد تغطي الحاجة الكهربائية للمدينة، كمثال. وهو ما يظهر جزئية هذا الحل.
إحدى المداخلات الملفتة، للخبير الاقتصادي، سمير سعيفان، ذهبت في اتجاه مختلف عن الاتجاه العام في النقاش. إذ لفتت إلى معضلة شح الموارد. ورفضت “شيطنة” الخصخصة والاستثمار الخارجي، بالعموم. وهو ما اتفق معه مُدَاخل آخر، بسؤال: من أين نأتي بالأموال لإعادة إعمار البلاد؟ لكن اتضح لي أن طرح “شح الموارد”، ليس موضع إجماع، وقد لقي الكثير من الرفض أو محاولات التفنيد، خلال الحوار. وهو أمر كان مفاجئاً بالنسبة لي، ذلك أن معالجة كارثة بحجم الكارثة الاقتصادية التي تعيشها سوريا، من زاوية القدرة المحلية الصرفة، هي معالجة “راديكالية” تقابل “راديكالية” السلطة الراهنة في بناء معالجاتها المتسرعة على الاستثمار الخارجي، وحده.
إحدى الأمثلة على تعقيد المشهد الاقتصادي السوري، مقابل المعالجات الجزئية المطروحة، أنني لم أحظ بجواب شافٍ، حول كيفية الخروج من معضلة الحاجة لحبس السيولة، بغاية ضبط سعر الصرف، والتي تتسبب بتباطؤ الاقتصاد وفقدان الثقة بالمصارف. هي سياسة اتبعها نظام الأسد البائد في السنوات الأخيرة من حكمه، ولا تزال الحكومة الحالية تسير في ركابها. فلإنعاش الاقتصاد، نحن بحاجة لسيولة. لكن إتاحة السيولة ستؤدي إلى خضّات دراماتيكية بسعر الصرف ستنعكس على الوضع المعيشي الذي يشكّل مصدر تذمر متصاعد في الشارع السوري اليوم. الجواب الذي قُدِّم، أن الحل بإطلاق عجلة الإنتاج. لكن، كيف سنطلق عجلة الإنتاج، مع حالة حبس السيولة؟ وإن حررنا هذه السيولة، بغاية إطلاق عجلة الإنتاج، كيف سنتعامل مع تداعيات انهيار سعر الصرف؟!
لا يعني النقد السابق، أن معالجات السلطة لمعضلات الاقتصاد، موفقة. فهي متسرعة، ومتخبطة، وآنية، تفتقد لأية رؤية. لكن، لنقرّ بأن التركة الموروثة من النظام البائد، ضخمة للغاية، ومربكة إلى أقصى الحدود. لذا، قد تكون نقطة البداية في التعامل معها، من وجهة نظر كاتب هذه السطور، الخروج من فخ “الحدّية” في المعالجات والمقاربات، التي يقع فيها طيف واسع من النخبة السورية، والسلطة الحاكمة، في آن. لنتحرر من الأيديولوجية، والمواقف والقناعات والقوالب المسبقة. لا في الاقتصاد فقط، بل في مختلف الملفات المعقّدة التي تهدد سلاسة المرحلة الانتقالية وتدخلها في الهوامش الحرجة.
وفي سبيل ذلك، نحن بحاجة للمزيد من الحوار النخبوي البيني. والحوار بين النخب والسلطة. وتتحمل هذه الأخيرة بالذات، مسؤولية فتح باب الحوار معها، والانفتاح عليه، بحثاً عن حلول “وسطية”، تنتقي أفضل الأفكار التي يقدّمها خبراء سوريون. وإشراك الكفاءات النخبوية في صنع القرار. فإشراكهم، قد يكون السبيل الأمثل، للإفادة منهم بدايةً، ودفعهم لقراءات وسطية، قابلة للتحقيق، لاحقاً، حينما يختبرون هول المعضلات التي سيُكلفون بحلّها.
























