عندما يسقط نظام استبدادي كنظام الأسد بعد عقود من الحكم، يواجه المجتمع لحظة فارقة وانزلاقات خطيرة، إنها لحظة الفراغ الهائل. وحينها تتوقف المؤسسات لبعض الوقت، وتنهار الثقة بين مكونات المجتمع، وتنفتح الجروح القديمة التي سببها النظام البائد.
الكتلة الحرجة لا توقف حركة السلطة، لكنها تمنع الاصطدام، إنها هندسة بناء التحول الديمقراطي، وقطع الصلة بكل إرث الماضي
سوريا الجديدة، بعد تحررها من نظام الأسد، ليست بحاجة إلى حكومة جديدة فقط، بل إلى ما يمكن تسميته «حارس الانتقال».. وهو عبارة عن كتلة حرجة تتألف من كيان مجتمعي واسع، مستقل عن السلطة، لكنه لا يعاديها، ويتكون من نقابات مهنية ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات سياسية مؤثرة، وتتمثل مهمته في مرافقة عملية التحول السياسي من خلال دعم السلطة عندما تسير في الاتجاه الصحيح، وينتقدها وينبهها عندما تخرج عن مسار الإصلاح، ويمنع انزلاقها نحو الفساد أو الفوضى. هذا المفهوم ليس نظريا، بل هو خلاصة تجارب دول عديدة مرت بتحولات مماثلة، أثبتت أن غياب هذا الحارس يؤدي إلى كارثة، وأن وجوده قد يكون الفارق بين انتقال ناجح وآخر فاشل.
حارس الانتقال ليس معارضة
المعارضة التقليدية تعمل دائما خارج صفوف السلطة، وغالبا في حالة خلاف دائم معها، أما حارس الانتقال، فيعمل في منطقة وسطى: يدعم السلطة في معركتها ضد فلول النظام السابق وتخلّصها من الفساد والاستبداد، لكنه ينتقدها عندما تخرج عن مسار الإصلاح، وهنا الفرق الجوهري: فالمعارضة تسأل «لماذا فعلتم هذا؟» وغالبا تنقد بعد فوات الأوان، بينما حارس الانتقال يسأل «كيف سنفعل هذا معا؟» ويرافق العمل المؤسساتي لحظة بلحظة.
تجارب عالمية رائدة
التجربة البولندية في ثمانينيات القرن الماضي، تشكلت كتلة حرجة حول نقابة عمالية مستقلة، وجمعت عمالا ومثقفين، وتحولت لاحقا إلى ضمانة منعت انزلاق بولندا إلى فوضى ما بعد الشيوعية. وفي التجربة السورية، يمكن أن تنبثق الكتلة الحرجة من نقابات مهنية جامعة، لا بالضرورة من أحزاب سياسية. وفي التجربة التونسية بعد سقوط نظام بن علي عام 2011، وفي أزمة 2013 التي شهدتها البلاد، تشكلت كتلة حرجة من أربع منظمات: اتحاد الشغل، واتحاد الصناعة والتجارة، وهيئة المحامين، والرابطة التونسية لحقوق الإنسان. عملت هذه الكتلة على التوفيق بين الأطراف المتصارعة، ووضعت خريطة طريق، وأشرفت على حكومة تكنوقراط وانتخابات جديدة، ونالت جائزة نوبل للسلام عام 2015. وكذلك في سوريا، يمكن للمنظمات المجتمعية الموثوقة والمستقلة أن تكون الحارس المنقذ. وايضا التجربة الألمانية قبل سقوط جدار برلين، تشكلت «المائدة المستديرة» ككتلة حرجة ضمت ممثلين عن الكنائس وحركات المعارضة وحتى النظام القديم، نظمت أول انتخابات حرة، وأشرفت على حل جهاز الأمن «الشتازي»، وصاغت دستورا، ومنعت انزلاق البلاد إلى عنف انتقامي. وفي سوريا الجديدة، يمكن للكتلة الحرجة أن تكون سقفا جامعا. ونجد ايضا التجربة الإندونيسية بعد سقوط الديكتاتور سوهارتو عام 1998، تشكلت كتلة حرجة من حركة الطلاب، وشخصيات إسلامية معتدلة، ونخبة قانونية، وصحافيين. اتفقوا على تفكيك الفساد، وإصلاح الجيش، وإجراء انتخابات حرة، ولم يكونوا تنظيما مركزيا، بل شبكة تعرف متى تتحد للضغط على السلطة. والدرس المستفاد لسوريا أننا بحاجة إلى شبكة من القوى المستقلة المتفقة على أهداف محددة في سبيل الحفاظ على الدولة ومؤسساتها. لماذا سوريا بحاجة ماسة إلى هذا الحارس؟
أولا: حجم الدمار الهائل في جميع المدن، وإعادة الإعمار بتكلفة تصل إلى مئات المليارات. فمن دون حارس مجتمعي، قد ينشأ مجال للفساد، ويمكن أن تذهب تلك الأموال إلى جيوب متنفذين من فلول النظام القديم.
ثانيا: فلول نظام الأسد ليسوا أشباحا، بل هم رجال أعمال وضباط فاسدون لم يختفوا، ويراهنون على علاقاتهم وخبراتهم. والكتلة الحرجة هي التي تمنع إعادة تدويرهم تحت شعار «الكفاءات الإدارية».
ثالثا: ثقافة الاستبداد ما زالت في العقول، فتغيير ثقافة الخوف والواسطة لا يأتي بمرسوم، بل عبر جهد مجتمعي مستمر من نقابات ومجالس مدنية تعيد بناء مفهوم المواطنة.
رابعا: خطر الفساد، من يراقب السلطة ويقول لها، «توقفي، هذا هو الطريق نفسه»؟ إن الكتلة الحرجة هي التي تمنع تقليد أساليب النظام القديم بحجة المرحلة الانتقالية.
مآلات غياب الكتلة الحرجة
في مصر بعد عام 2011، كانت النقابات مشلولة أو تابعة، ولم تكن هناك كتلة جامعة، فكانت النتيجة عودة الاستبداد بشكل أقسى، وكذلك ليبيا تشهد غياب نقابات قوية ومنظمات مجتمع متماسكة. وفي اليمن، أدى غياب كتلة جامعة إلى فتح الباب للتدخلات الخارجية وتحول الثورة إلى حرب بالوكالة. وسوريا أمام خيارين: إما أن تتعلم من هذه التجارب، أو أن تكررها، وهي لا تحتمل المزيد.
آليات عمل الكتلة الحرجة في سوريا
تنبثق الكتلة الحرجة من اتحاد نقابات مهنية مستقلة، ومن مجالس مدن منتخبة، وكذلك من هيئات خبراء اقتصاديين لمراقبة إعادة الإعمار، بالإضافة إلى مراكز حقوقية لتوثيق الانتهاكات، وتتمثل مهامها كحارس انتقال في أربع وظائف رئيسية: أولها المراقبة العلنية، وذلك بإصدار تقارير دورية عن أداء الحكومة، وكشف الفساد، وثانيها الضغط الموجه، من خلال تنظيم حملات الرأي العام والمؤتمرات الصحافية بهدف التصحيح لا الإسقاط. وثالثها إنتاج البدائل، عبر تقديم مشاريع قوانين بديلة وخطط إصلاحية. ورابعها الحماية من الانزلاق ومنع الارتجال في القرارات الحكومية.
لا أحد يريد كتلة حرجة تدوم إلى الأبد، الغاية منها أن تزول تدريجيا عندما تنضج المؤسسات، ويستقل القضاء، وتترسخ المساءلة بالعدالة الانتقالية، لكن في السنوات الخمس الأولى بعد التحرير، هي ضرورة وجودية. فالتجارب العالمية تقدم دليلا قاطعا، التحولات الناجحة هي نتاج كتلة حرجة وسيطة، تعرف متى تدعم ومتى تنتقد ومتى تتدخل، سوريا التي خرجت من نفق الأسد، تستحق أكثر من أن تترك على مفترق طرق من دون إشارات مرور. فالكتلة الحرجة هي هذه الإشارات، لا توقف حركة السلطة، لكنها تمنع الاصطدام، إنها هندسة بناء التحول الديمقراطي، وقطع الصلة بكل إرث الماضي.
كاتب سوري
- القدس العربي

























