قبل حديث الشرفة هناك حديث الطاولة. يروي الرحالة الشهير يونس بحري في مذكراته قصة احتجازه مع رموز العهد الملكي في سجن أبو غريب قرب بغداد عقب انقلاب 1958. في السجن كان يونس بحري يُحدّث رئيس العرفاء عن العريف باتيستا، الذي وصل إلى حكم كوبا بانقلاب عسكري قبل أن يطيح به فيديل كاسترو.
أعجبت القصة رئيس العرفاء فتداولها مع بقية العرفاء، و يبدو أن سر رواجها أنها حاكت رغبة دفينة في نفس أصحاب هذه الرتبة، التي تعد من أدنى مراتب الجيش المتطوع. رغبة أن يكتشف كل عريف في داخله باتيستا فيحكم العراق.
انتشرت قصة باتيستا بين عرفاء الجيش العراقي في معسكر أبو غريب انتشار النار في الهشيم. بل صار عرفاء سجن أبو غريب يدعون أصدقاءهم من عرفاء قطعات الجيش كي يستمعوا للقصة من فم يونس بحري: “لقد كانت قصتي هذه أعظم هدية تلقاها رئيس العرفاء في حياته. فلقد أيقظت شعوره الداخلي وغروره.. فبعد أن فتل شاربه الأيسر مال على أذني ليهمس فيها قائلاً: دادا يونس هذه قصة عجيبة.. فإذا كان عريف مثل باتيستا يحكم شعباً مثل كوبا عشرة أعوام فما بالي وانا الآن رئيس عرفاء؟ قلت: يا ريس. إنك تتمتع بجميع المواصفات التي تؤهلك للحكم”.
أحدثت قصة باتيستا اضطراباً عقليا لدى عرفاء معسكر أبو غريب أكبر معسكرات الجيش العراقي. فصار الضباط يخشونهم. وصل ذلك إلى مسامع القيادة فاستدعى العقيد عبد السلام عارف، الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية، يونس بحري إلى مكتبه. يقول بحري: “كان العقيد عبد السلام عارف واقفاً وراء المنضدة الكبيرة التي أمر بصنعها السيد رشيد عالي الكيلاني لما كان وزير الداخلية بوزارة المرحوم السيد ياسين الهاشمي في سنة 1935، وقد تعاقب عليها وزراء الداخلية منذ ذلك الوقت، حتى جاء دور أول وزير للداخلية في العهد الجمهوري ليجلس أمامها”.
يًحدث يونس العقيد عارف، الذي كان مشهوراً بالتطيّر، عن تاريخ هذه الطاولة وكيف نُكب كل من جلسوا وراءها.. فرشيد عالي الكيلاني نُفي خارج العراق، وبعد تسعة أشهر من جلوس حكمت سليمان خلفها كوزير داخلية اغتيل رئيس الوزراء بكر صدقي فأُقيل الوزير ثم اعتُقل. وتعرض السيد عمر نظمي لنكبات بعد جلوسه خلفها، وكذلك السيد ناجي شوكت فهرب خارج العراق. أما سعيد قزاز فقد انتهى إلى المشنقة.
امتقع لون عبد السلام عارف، وفغر فاهه، “وبقدرة قادر تحول هذا الضابط المتحفز المشاكس إلى حمل وديع. سأل عن وزراء العهد الملكي، وركّز بأسئلته على كل من رشيد عالي الكيلاني وسامي فتاح”.
أنهى عارف اللقاء حين ذكّره مدير مكتبه أن السفير البريطاني ينتظر في الخارج. جاء مرافق يونس بحري ليعيده إلى السجن. ساعتها تذكر العقيد عارف سبب استدعاء يونس “قال وهو يربت على كتفي بعصاه العسكرية: يا يونس أرجوك اترك قصة العريف باتيستا دكتاتور كوبا..”. واستكمالاً لقصة الطاولة المشؤومة، فقد توفي الرئيس عبد السلام عارف بسقوط مروحية في البصرة عام 1966 لينضم إلى القائمة.
أما الشرفة التي نتحدث عنها فهي شرفة مبنى محافظة حماة. كان مبنى المحافظة عند إنجازه في النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين يضم شرفة صغيرة. وقف عليها في عام 1953 الأمير سعود بن عبد العزيز آل سعود برفقة العقيد أديب الشيشكلي وسط حشد جماهيري هائل. كان الشيشكلي في ذروة شعبيته. لكن في العام التالي غادر الحكم بعد أن فقد شعبيته في مدينته حماة، فانقلب عليه الضباط مما اضطره لمغادرة سوريا.
بعد أعوام في عام 1959، وقف على نفس الشرفة الرئيس عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة بصحبة كل من نائبه أكرم الحوراني ورئيس يوغسلافيا تيتو، الذي شكل مع عبد الناصر ورئيس وزراء الهند نهرو ثلاثياً قاد دول عدم الانحياز. كان الرئيس عبد الناصر في ذروة شعبيته آنذاك. لذلك امتلأت ساحة العاصي عن بكرة أبيها. لكن ماهي إلا أعوام قليلة حتى تراجعت شعبيته وتظاهرت حماة ضده وانتهى حلم الوحدة إلى كارثة وانقسامات عانت منها الأمة لسنوات طويلة بعد ذلك.
في النصف الثاني من الستينيات تمت توسعة الشرفة القديمة. فأضيفت إليها شرفة كبيرة وقف عليها حافظ الأسد عام 1971 بعد انقلابه وتوليه زمام الأمور. أيضاً استقبلته المدينة بأعداد كبيرة. يومها كان كل فريق في المدينة يستقبل حلمه. لكن بعد سنوات خيّب آمال الجميع فاكتشفوا أنه ليس مشروعاً لأحد بل هو مشروع سلطوي شخصي أودى بسوريا والمنطقة العربية إلى كارثة. فحدث ما هو معروف بين المدينة ونظام حافظ الأسد، وانتهى ذلك بإسقاط تمثاله ودركلة رأسه البرونزي الفارغ بشوارع المدينة، ولو كان حياً للقي رأسه الحقيقي نفس المصير.
في كل مرة كانت الشرفة ثابتة في موقعها في ساحة العاصي وسط مدينة حماة، التي تقع وسط سوريا وتشكل قلب الحياة السياسية في هذا البلد. ثابتة في موقفها، فهي مع الحرية والكرامة ونهوض الأمة. هي ترحب بكل قادم يعدها بتحقيق أحلامها في الحرية والحياة المحترمة وصيانة كرامة الأمتين العربية والإسلامية. لكن عندما تخيب آمالها تنتفض بعنف. حماة لم تعط أي زعيم شيكاً على بياض هي تراقب بصمت، وتعيد التفكير مرة وراء مرة.
- الثورة السورية






















