ملخص
تسير عملية تنفيذ اتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية بصورة ثابتة من دون تعطل واضح لكن المسؤولين من الطرفين يشتكون من بطء تنفيذ ملفاتها التي تشمل المناحي العسكرية والأمنية والمدنية لتفتح المجال أمام حل سياسي قد يطاول القضية الكردية في سوريا.
منذ ثلاثة أشهر دخلت العلاقة بين دمشق والكرد طوراً جديداً من التقارب بعد احتراب دموي دام أسابيع وانسحبت على أثره قوات سوريا الديمقراطية من المناطق التي كانت تسيطر عليها منذ أعوام لحساب الحكومة السورية الانتقالية وفق اتفاق وقع بين الطرفين في الـ29 من يناير (كانون الثاني) الماضي الذي نص على دمج القوات العسكرية في شمال وشرق سوريا والمؤسسات الخدمية والمدنية التابعة للإدارة الذاتية في هياكل الدولة بما يحفظ خصوصية الأكراد.
وخلال الفترة الماضية خطا الجانبان عدداً من الخطوات لتنفيذ الاتفاق الذي جرى برعاية دول منتظمة في الشأن السوري وفي مقدمها الولايات المتحدة وتركيا وفرنسا وعدد آخر من الدول والأطراف كحكومة إقليم كردستان العراق، حيث عينت الحكومة السورية محافظاً للحسكة بعد ترشيحه من قبل قوات سوريا الديمقراطية، وجرى تعيين كل من سمير أوسو المعروف بسيبان حمو، القيادي في “قسد” معاوناً لوزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة وكذلك حجي محمد نبو المعروف بجيا كوباني وهو أيضاً عضو القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية نائباً لقائد فرقة 60 والبدء بدمج “قسد” من خلال أربعة ألوية في محافظتي الحسكة وحلب.
وكذلك عين القيادي في قوى الأمن الداخلي (الآسايش) محمود خليل المعروف بسيامند عفرين نائباً لمروان العلي قائد قوى الأمن الداخلي، إضافة إلى جولات وزارية واسعة في المحافظة شملت التعليم والصحة والنقل والمطار والمعابر وقطاعات أخرى لربط مؤسسات الإدارة الذاتية بقريناتها في الحكومة الانتقالية، وكذلك كانت الخطوات في منطقة كوباني (عين العرب) التي تعتبر منطقة مرتبطة إدارياً بمحافظة حلب وفق التقسيمات الحكومية خلال العهود السابقة في سوريا، وفي هذه المدينة وريفها جرى تحديد مسؤوليها وتبادلت الوفود الرسمية من الطرفين زيارات واجتماعات رسمية بغية ربط المنطقة من جميع النواحي بالحكومة.
اجتماعات ولقاءات مستمرة
وجرت اجتماعات ولقاءات بين قيادة الطرفين خلال الأسابيع والشهرين الماضيين، وكان لافتاً حضور كل من وزير الخارجية أسعد الشيباني برفقة مظلوم عبدي قائد “قسد” وإلهام أحمد مسؤولة العلاقات في الإدارة الذاتية مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير (شباط) الماضي وهو ما عده مراقبون حضوراً لافتاً لقائد القوات التي دحرت تنظيم “داعش” وكإحدى القوى التي تشارك في تشكيل سوريا الجديدة مع الإدارة الجديدة للبلاد، كذلك التقى الرئيس السوري أحمد الشرع رفقة الشيباني مع عبدي وأحمد في أواسط أبريل (نيسان) الماضي لتقييم وبحث عملية الاندماج للمؤسسات بين الطرفين، وفي هذا السياق أكدت مصادر مقربة من عبدي أنه وجه للمسؤولين العسكريين والمدنيين بتذليل كل العقبات لإنجاح اتفاق الـ29 من يناير وأنه لا يفرط بهذا الاتفاق.
وعلى أثر هذا اللقاء تحدثت المسؤولة عن العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد لوكالة هاوار الكردية وأشارت إلى أن الاجتماع في دمشق ركز على العقبات التي تواجه تنفيذ عملية الاندماج، موضحة أن كلا الطرفين (الإدارة الذاتية ودمشق) يعملان على تجاوز هذه العقبات.
وأضافت أن أحد أهم ملفات الاجتماع كان نظام التعليم، إذ لم يتم حتى الآن الاعتراف بالشهادات، وقالت “مر وقت طويل على اتفاق الـ29 من يناير، إلا أن هذا الملف لم يحل بعد. واتفقنا على أن يقوم وزيرا التربية والتعليم العالي بزيارة قريبة إلى محافظة الحسكة، من أجل وضع آلية وإنهاء هذا الملف. كما سيتم عقد لقاءات لاحقة لمناقشة نظام ولغة التعليم، واتخاذ قرارات في شأنها”.
وأوضحت أحمد أن الخطوات الإدارية حتى الآن اقتصرت على تعيين المديريات في قطاعي الصحة والتعليم، فيما سيتم قريباً تحديد بقية المديريات، إلى جانب وضع آلية جديدة لاستكمال التعيينات في المؤسسات.
ذكرت إلهام أحمد أنه تم اتخاذ بعض الخطوات ضمن إطار الاندماج، إلا أن العملية تسير ببطء، وأنه تم إحراز تقدم في تعيين ممثلي المناطق، لكن لا تزال هناك خطوات مطلوبة في ما يخص تعيينات الوزارات والمديريات.
المعابر
حول ملف المعابر، الذي يعد من القضايا الأساسية في عملية الاندماج، أوضحت أن آلية إدارة معبر سيمالكا، مع إقليم كردستان العراق، والمعابر الأخرى قد تم وضعها، وأن الموظفين العاملين باسم الإدارة الذاتية يواصلون عملهم ضمن إطار الاندماج.
كشفت إلهام أحمد عن ظهور كثير من المشكلات أثناء تطبيق الآلية، وذكرت منها وفق ما نقلت عنها وكالة هاوار أنه جرى تعيين بعض مديري المديريات سابقاً من قبل الحكومة الموقتة بعد سقوط نظام الأسد، مطالبة بأن يكون هناك اتفاق في شأن هؤلاء المسؤولين، قائلة “يجب التوصل إلى تفاهم في شأن التعيينات التي تقترحها الإدارة الذاتية وتلك التي تحددها الحكومة الموقتة”.
وتابعت أن “الإدارة الذاتية تمتلك خبرة طويلة، ويجب أخذ هذه الخبرة في الاعتبار، وأن الكفاءة والخبرة مهمتان في تعيين المسؤولين. يجب أن تتم التغييرات على أساس التخصص، والأهم هو خدمة المجتمع وتمثيله، بخاصة أن الكرد والسريان والعرب يعيشون معاً في هذه المنطقة”.
قضية المرأة
أكدت إلهام أحمد أن مسألة تمثيل المرأة وإرادتها لا تزال تمثل مشكلة، وقالت “في الإدارة الذاتية تعمل أعداد كبيرة من النساء. من ناحية الهيكلية، هناك بعض التشابه بين مؤسسات الإدارة الذاتية والحكومة، لكن على مستوى إدارة المديريات هناك اختلاف.
في إطار الاندماج يتم طرح أسماء نساء ورجال للتعيينات، إلا أنه حتى الآن تم تعيين مديري الصحة والتعليم من الرجال فقط، لذلك يجب اعتبار مشاركة المرأة كأولوية ومنحها دوراً مهماً وهناك صعوبات وعقبات جدية في هذا الملف”.
ولفتت إلهام أحمد إلى أن من بين القضايا التي تشكل عائقاً أيضاً ملف وحدات حماية المرأة، وقالت “على رغم أنه لم يتم التوصل إلى نتيجة جديدة، فإن الملف لا يزال مطروحاً على جدول الأعمال، كذلك فإن النقاش حول إضفاء الطابع الرسمي على تلك الوحدات لا يزال مستمراً ضمن أجندة الحكومة الموقتة حتى التوصل إلى اتفاق”.
التمثيل البرلماني
وأضافت المسؤولة الكردية للوكالة أن من بين ملفات الاندماج أيضاً اختيار ممثلي محافظة الحسكة وكوباني في البرلمان السوري، مشيرة إلى أن العمل يجري عبر لجنة مركزية ولجنة تحضيرية في الحسكة، وأن “اللجنة التحضيرية تمتلك صلاحية المبادرة”.
وتطرقت إلهام أحمد إلى نظام البلديات في روج آفا، موضحة أنه سيتم إعادة تنظيمها ضمن النظام الجديد، بما يضمن تقديم الخدمات للمجتمع بصورة فضلى. وأكدت أن الديمقراطية تتطور عبر التمثيل وخدمة المجتمع، وأن هناك استعداداً للدخول في المرحلة الجديدة.
في ما يتعلق بإعداد دستور سوري جديد، قالت إلهام أحمد إنه بعد تحديد ممثلي روج آفا في البرلمان، سيتم طرح ملف الدستور بصورة جدية، مضيفة “سيكون للكرد دور في لجنة صياغة الدستور الجديد. سوريا في حاجة إلى دستور جديد، ويجب أن تضم لجنة صياغته ممثلين عن جميع المكونات. الكرد شركاء أساسيون في بناء هذا البلد، وسيكون لهم دور مهم في المرحلة المقبلة.”
وأشارت إلى أن ملف الأسرى لم يغلق بعد، وأكدت أنه خلال الاجتماع جرى تأكيد ضرورة الإفراج عن جميع الأسرى في أقرب وقت.
ثبات العملية
من جهته اعتبر المتحدث باسم فريق الرئاسة السورية لمتابعة ملف الاندماج أحمد الهلالي أن مسار تنفيذ الاتفاق يجري بصورة متدرجة وبطيئة لكنه ثابت، مع تحقيق تقدم ملموس في عدد من الملفات الحيوية، لا سيما في الملف العسكري، وأنه جرى استكمال الألوية الثلاث المندمجة بالفرقة 60 واللواء المندمج بالفرقة 72 وتم تسليم أول راتب للعناصر وفق موازنة وزارة الدفاع، إضافة إلى تقدم في الملف الأمني، وتأمين الطرقات، وعودة النازحين والمهجرين، وملف الأسرى والمعتقلين، فيما تبقى ملفات التعيينات ودمج المؤسسات المدنية.
وبخصوص احتمال فشل الاتفاق وفق منظور الحكومة وخيار المواجهات العسكرية قال الهلالي في حديثه الخاص لـ”اندبندنت عربية” إنه لا بديل عن اتفاق الـ29 من يناير، وفق منظور الحكومة وإن هذا المسار هو خيار استراتيجي، وليس تكتيكياً موقتاً. لذلك، احتمالات الفشل ليست مطروحة بوصفها سيناريو مرجحاً، بل التحدي الحقيقي هو إدارة التعقيدات وتسريع التنفيذ.
أما خيار المواجهة العسكرية فهو ليس مطروحاً في ظل التزام الأطراف الاتفاق، والدولة ماضية في تثبيت الحلول السياسية كخيار أساس، مع احتفاظها بحقها السيادي في فرض القانون عند الضرورة بحسب الهلالي.
وأشار المتحدث باسم الفريق، الذي يتابع من كثب ملف الاندماج بين قسد والحكومة السورية ويحضر اجتماعاتها، إلى أن التحديات قائمة على مستويات عدة، منها ما يتعلق بإعادة هيكلة المؤسسات ومواءمة الأنظمة الإدارية والقانونية، ومنها ما يرتبط ببناء الثقة بين الأطراف، إضافة إلى التحديات اللوجيستية والمالية، “كذلك فإن هناك حاجة إلى استمرار تقديم الخدمات خلال مراحل الدمج” وأنه يتم التعامل مع هذه التحديات بالمشاورات الدائمة وعبر التنسيق اليومي والإشراف المباشر.
متابعة دولية
عضو الفريق الرئاسي أكد أن ثمة متابعة دولية وتحديث للمعلومات بصورة مستمرة، بخاصة مع فريق المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك إضافة إلى جهات دولية أخرى، منوهاً بأن جميع الأطراف تؤكد أن عملية الدمج هي مسار وطني سوري بامتياز، وأنهم في المقابل منفتحون على توضيح الحقائق ومشاركة المعلومات بشفافية ووضوح، مشيراً إلى أن الدور الدولي بات أقرب إلى المتابعة والدعم غير المباشر، وليس التدخل في تفاصيل التنفيذ وفق تعبيره.
وجاء الاتفاق بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية في مسار يلامس الوجود الكردي في سوريا مع فتح آفاق جديدة أمام التعاطي مع الكرد وقضيتهم، وفي هذا الصدد أوضح الهلالي أن جميع المكونات السورية شركاء متساوون في الدولة، مع احترام الخصوصيات الثقافية والإدارية ضمن إطار الوحدة الوطنية. مضيفاً أن “ما يخص المكون الكردي، هناك التزام واضح بضمان حقوقه الثقافية والمدنية، وتعزيز مشاركته في مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والمواطنة، وأن المرحلة الحالية تمثل فرصة حقيقية لمعالجة هذا الملف بصورة متوازنة، بعيداً من المقاربات السابقة، وبما يحقق استقراراً طويل الأمد، مضيفاً أنهم حريصون على مشاركة كل أطياف المجتمع الكردي في بناء الدولة وليس فقط المنتسبين إلى قسد”، وفق حديثه.
وفي ظل هذه التطورات يشد انتباه الأهالي والنازحين ملف العودة لا سيما ودفعات كبيرة من سكان ونازحي عفرين قد عادوا إلى دورهم بعد أعوام من هجرها، فيما يجري التحضير لعودة سكان مناطق أخرى لا سيما في محافظة الحسكة والرقة ورأس العين وتل أبيض والحسكة المدينة وريفها، حيث تعلو أصواتهم للحصول على تعويضات ولو محدودة لإعادة البيوت والمنازل التي تهدمت أو سرقت محتوياتها إضافة إلى الأملاك الخاصة الأخرى، لكن يبدو أن هذا الملف ثقيل على الحكومة الموقتة، ويقول المتحدث باسم الفريق الرئاسي إن ملف التعويضات ملف شائك، وإنه يفوق الإمكانات المتاحة في الظروف الراهنة، وإن معالجته يجب أن تكون ضمن برامج وطنية تراعي أوضاع جميع المتضررين من دون تمييز، وعلى كامل الجغرافية السورية مع الأخذ في الاعتبار الإمكانات المتاحة.
- إندبندنت
























