في الثاني من آب من العام 2009 أعلن رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط ومن فندق البوريفاج مواقف سياسية جديدة تدعم القضية الفلسطينية الاساس والعروبة والمقاومة صُنفت في حينها في خانة التحولات وكرست إبتعاده عن قوى الرابع عشر من آذار، وهو الموقف الذي كان قد هيّأ له جنبلاط قبيل الانتخابات النيابية التي جرت في السابع من حزيران الماضي. إلا ان هذا الموقف الذي إستقبل من قبل القوى المعارضة بالترحيب والانفتاح، وترجم باستقبال الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله له لم يمكّن جنبلاط من تجاوز الحدود اللبنانية السورية لاعادة وصل ما إنقطع خلال السنوات الاربع الماضية، ونُقل إليه أنه بحاجة الى ترجمة الموقف عبر الاعلام المصنّف في خانة "المعارضة".
إستجاب جنبلاط للطلب وكان لقاء مطوّل عبر جريدة "السفير" تحدث فيه عن أخطاء حدثت وعن دعمه للمقاومة وللقضية الفلسطينية وتوضيح للتحول السياسي الذي أجراه في الثاني من آب. وصلت الرسالة الاعلامية عبر البريد اللبناني السوري وجاء الرد عبر الاعلام السوري من خلال جريدة "الوطن" وموقع "شام برس" الالكتروني الذي حافظ على تحفظّه رغم الترحيب بالموقف الجديد وطالب باعتذار من النائب جنبلاط للشعب السوري. وسائل الاعلام نقلت أيضاً ان اللقاء لم يكن كافيا لفتح طريق دمشق التي، وبحسب زوارها، تريد ترجمة أقوال جنبلاط مباشرة على الهواء التلفزيوني كما كانت خطابات جنبلاط تنقل مباشرة على الهواء من ساحة الشهداء بما فيها من لحظات تخلٍ.
الحوار اللبناني السوري عبر الاعلام إستمر، وجاء اللقاء المباشر على قناة "الجزيرة" الفضائية العربية ومع الاعلامي غسان بن جدو. في هذا اللقاء إعتبر جنبلاط ان ما قاله بحق الرئيس السوري بشار الاسد جاء أثناء لحظة تخلٍ وأكد على الثوابت من المقاومة الى العروبة مروراً بالالتزام بالقضية الفلسطينية والوحدة الداخلية في لبنان.
هذه المرة قال جنبلاط كلامه الاخير للقيادة السورية عبر البريد الاعلامي اللبناني السوري وإنتظر الرد الذي جاء من "الوطن" السورية ومن ثم في بيان صادر عن "حزب الله" الذي أكد أن الرئيس بشار الاسد سيلتقي النائب جنبلاط قريباً.
منذ العام 2005 لعب الاعلام دوراً بارزاً في الحياة السياسية من خلال الاصطفافات السياسية وحتى في تكوين الرأي العام الضاغط سياسيا، إلا ان الدور الذي لعبه كوسيط في العلاقة اللبنانية السورية هو ما ميّز الاشهر الاخيرة. ففي موازاة الحوار الجنبلاطي بدأت بوادر فتور في العلاقة بين رئيس الجمهورية وسوريا وهو ما عبّر عنه الوزير السابق وئام وهاب الذي دعا الرئيس ميشال سليمان الى الاستقالة على خلفية دعوته هيئة الحوار وحصولها، بعد المشهد الذي جمع في دمشق الرئيسين السوري بشار الاسد والايراني أحمدي نجاد والامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، وما تبع ذلك من حملات على الرئيس سليمان بانحيازه الى قوى 14 آذار. فجاء موقف الرئيس سليمان من خلال لقاء مع جريدة "السفير" ليوضح فيه الموقف من المقاومة التي قال "إنه يحميها برموش العين" وأكد على العلاقة الجيدة مع سوريا.
هذا الحوار اللبناني الاعلامي لم يكن على خط واحد بل قابله خط سوري عبر اللقاء الذي أجراه في قناة "المنار" الاعلامي عمرو ناصيف مع الرئيس السوري بشار الاسد الذي وضّح موقفه من الرئيس سليمان ومن إستقبال النائب جنبلاط واعتبر ان ما قاله جنبلاط كاف لكي يُستقبل في سوريا. وقال: "الاعتذار يعني الاعتراف بالخطأ هذا المضمون قاله وليد جنبلاط في أكثر من مقابلة نحن يهمنا المضمون وهذا هو المضمون الذي نريده".
فكانت الرسالة السورية تصل عبر الاثير التلفزيوني ليدخل الاعلام مجدداً في لعبة العلاقة اللبنانية السورية وليكون دوره مواكباً للمرحلة السياسية الجديدة على قاعدة تحسين العلاقة كما كان مواكباً للمرحلة الماضية ومساهماً في تراجع العلاقة.
بعد زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري لسوريا ولقائه الرئيس الاسد نقل عن زوار دمشق أن سوريا تنتظر تغييراً في الاعلام "المستقبلي" وبقي الاعلام السوري يراقب وسائل الاعلام من التلفزيون والاذاعة والجريدة لمواكبة إنعكاسات الزيارة إعلامياً على هذه الوسائل وقيل إن الترجمة لم تأتِ على حجم الحدث فجاء اللقاء الذي عقده رئيس الحكومة سعد الحريري مع فريق إعلامه لإبلاغهم بالاستراتيجية الجديدة في التعاطي الاعلامي مع سوريا كسائر الدول العربية على أبواب الزيارة الثانية المرتقبة للحريري الى دمشق لمناقشة الاتفاقيات السورية اللبنانية.
يبدو ان شعار الاعلام أولا سيحكم العلاقة اللبنانية السورية في المرحلة المقبلة فهل نحن أمام مرحلة إعلامية شبيهة بالسنوات الماضية، ولكن على قاعدة الاعلام الصديق لسوريا، أم يمكن الاستفادة من تجربة السنوات الخمس ليأخذ الاعلام موقعه ودوره في كشف ونقل الاحداث بعيدا عن الاصطفاف ما بين الصديق والعدو؟
(صحافية في تلفزيون "المستقبل")
"النهار"




















