ملخص
لقد كشفت تطورات يومين فاصلين بين توقيع مذكرة التفاهم وبدء المحادثات في سويسرا، أن ورقة الضغط الإيرانية الوحيدة هي “حزب الله” وقدرتها على زجه في حرب ضد إسرائيل، تجعل الدولة العبرية على شفير صدام مع الولايات المتحدة صاحبة ورقة التفاهم وشريكة إيران فيها.
تنهي مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية ما يقارب نصف قرن من النزاعات بين إيران والإدارات الأميركية المتعاقبة وبين إيران وإسرائيل، وهي نزاعات شكلت على مدى عقود، صلب أيديولوجية التوسع الإقليمي الإيراني في المجال العربي، وعليها بنت نظرية الجبهات والميليشيات ومزقت نسيج المشرق.
نصت الفقرة الأولى من تلك المذكرة على التالي بدقة:
“تعلن الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإيرانية وحلفاؤهما في الحرب الدائرة، من خلال توقيع مذكرة التفاهم هذه، وقفاً فورياً ودائماً للعمليات العسكرية على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان، وتتعهد من الآن فصاعداً ألا تبادر إلى أي حرب أو أي عملية عسكرية ضد بعضها بعضاً، وأن تمتنع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد بعضها بعضاً، وبضمان سلامة أراضي لبنان وسيادته. وسيؤكد الاتفاق النهائي الوقف الدائم للحرب على كل الجبهات، بما في ذلك داخل لبنان، وعلى الأحكام الأخرى الواردة في هذه الفقرة”.
لا حروب ولا صدامات ولا تحريض في المستقبل. هذا ما تشير إليه هذه الفقرة التمهيدية والمفصلية التي تكاد تختصر المسار اللاحق للعلاقات التي ينبغي أن تسود في الإقليم. وفي تفسير أكثر تفصيلاً، إن إيران التي قام نظامها على شعاري “الموت لأميركا” و”الموت لإسرائيل” ستختلف بعد الاتفاق عن هذه الإيران الخمينية – الخامنئية القائمة، فلا تنسج سياساتها على قاعدة محاربة إسرائيل وأميركا، فتنكفئ وأذرعتها إلى حدود البلدان المقيمة فيها، وأن إسرائيل التي أمضت عقوداً في الاستعداد ومحاربة التهديد الإيراني وأذرعته ومحوره لن تكون في حاجة إلى مثل هذه الحروب في المستقبل. في المدى الإقليمي الأوسع، ستعود إيران دولة عادية ضمن حدودها، يُمنع على نظامها حوك المخططات والمؤامرات ضد دول الجوار العربية في الخليج والمشرق.
استغرب كثر، وبعضهم فوجئ بأن أساسات الصراع ومسبباته المعلنة غابت عن التفاهمات التي وقعها الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والإيراني مسعود بزشكيان. بالنسبة إلى إيران كان السبب الشائع لخلافها مع إسرائيل هو احتلالها فلسطين والقدس، وهي، بهدف “التخلص” من الاحتلال والقضاء على الدولة الإسرائيلية، أنشأت “حزب الله” والفصائل العراقية ودعمت ورعت فصائل فلسطينية جمعتها جميعاً في محور الساحات الموحدة لقتال إسرائيل تمهيداً لإزالتها من الوجود.
في المقابل، وضعت إسرائيل استراتيجية قوامها إلحاق الهزيمة بالمشروع الإيراني وإفرازاته، ومنع النظام الإيراني من الحصول على السلاح النووي والوصول في النهاية إلى إحداث تغيير في النظام نفسه.
استندت الاستراتيجية الإسرائيلية في مواجهة إيران وأذرعها إلى التدهور المتواصل في العلاقات الأميركية – الإيرانية منذ ثمانينيات القرن الماضي. لقد ساءت هذه العلاقات بُعيد سيطرة الخميني على السلطة في طهران واحتلال أنصاره مبنى السفارة الأميركية واحتجاز دبلوماسييها. ومنذ تلك الأعوام المبكرة، انخرطت إيران الخمينية في مواجهات هجينة مع الأميركيين. كان تفجير مقر المارينز داخل بيروت في أكتوبر (تشرين الأول) 1983 أحد أبرز تلك المواجهات التي قضى بنتيجتها 241 عسكرياً أميركياً في لحظة واحدة. وعلى وقع الحرب العراقية – الإيرانية تراوحت العلاقات الأميركية – الإيرانية بين صدامات ومؤامرات لتزويد إيران بالسلاح في ما عرف لاحقاً بـ”كونترا غيت”، ثم تحولت بيروت إلى ساحة لخطف الأميركيين والرعايا الغربيين على يد تنظيمات أقامتها الأجهزة الإيرانية المتعاونة مع نظام الرئيس حافظ الأسد المتحالف مع طهران.
الطموحات الإيرانية في مقارعة الأميركيين بلغت ذروتها لاحقاً عندما أكملت طهران بقيادة حرسها الثوري هيمنتها على عواصم عربية أربع، بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء، وإعلانها الحرب على الوجود الأميركي في غرب آسيا في موازاة تهديدها بإزالة إسرائيل من الوجود. لقد جاء اغتيال قاسم سليماني على يد الأميركيين، ثم معركة غزة المندلعة في السابع من أكتوبر 2023، في مناخ أشاعته إيران عن الساحات الموحدة لمحور المقاومة والممانعة، مقدمة لما وصلت إليه المنطقة اليوم. فقد أدى الرد الإسرائيلي في غزة، ثم هجومها على “المساندين” في لبنان، إلى تدمير ساحات “المقاومة” وبنيتها في غزة ولبنان. ومع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، خلا غرب آسيا من ركائز القوة الإيرانية التي لم يتبق لها سوى إعادة تركيب وتسليح وإعداد “حزب الله” كعنصر أساس ومركزي في استراتيجية حماية النظام الإيراني.
وقد ظهرت قيمة هذا العنصر مباشرة فور انتهائه من حرب كارثية لإسناد غزة وانخراطه في حرب مأسوية لإسناد إيران غداة تعرضها للهجمات الأميركية – الإسرائيلية.
في حرب الصواريخ والطائرات والمضيق لم تخض إيران أي حرب مواجهة مع الجيوش العدوة، وحده “حزب الله” تولى إشغال الجيش الإسرائيلي في حرب أعادت هذا الجيش إلى احتلال أكثر من 650 كيلومتراً مربعاً من الأراضي اللبنانية، دمر خلالها مئات القرى وآلاف المنازل وأوقع من القتلى اللبنانيين ما يفوق عدد الإيرانيين الذين قضوا في إيران، التي لم تقاتل أكثر من 38 يوماً، فيما خاض “حزب الله” من أجلها أكثر من 104 أيام من المعارك المباشرة وصولاً إلى توقيع مذكرة التفاهم، كما قال باقر قاليباف رئيس الوفد الإيراني المفاوض.
كان نعيم قاسم الأمين العام لـ”حزب الله” يشكر إيران في لحظتها على تفانيها في خدمة حزبه مجاناً، لكن قاليباف لم يترك له ولحزبه مجالاً للتلاعب في الألفاظ، فقد قدم الحزب الخدمات المنتظرة منه، وفي سياق التفاوض الذي نصت عليه المذكرة سيبقى عليه تقديمها لمدة الأيام الـ60 المقبلة، حتى تضمن إيران استجابة الولايات المتحدة الكاملة لبنود الإفراج عن الأموال الإيرانية وإنشاء صندوق الإعمار الخاص بإيران في الحد الأدنى.
لقد كشفت تطورات يومين فاصلين بين توقيع مذكرة التفاهم وبدء المحادثات في سويسرا، أن ورقة الضغط الإيرانية الوحيدة هي “حزب الله” وقدرتها على زجه في حرب ضد إسرائيل، تجعل الدولة العبرية على شفير صدام مع الولايات المتحدة صاحبة ورقة التفاهم وشريكة إيران فيها.
ونجحت إيران حتى الآن في مسار استعمال لبنان المدمر لغاياتها، لكنها لن تقف عند حدود الاستعمال الموقت. ففي الرؤية الإيرانية الطويلة الأمد، تكاد السيطرة على الجنوب اللبناني بواسطة “حزب الله” تساوي التهديد بإقفال مضيق هرمز. فإقفال المضيق يثير أزمات اقتصادية إقليمية ودولية، و”إغلاق” لبنان على حجم “حزب الله” يجعل إسرائيل والولايات المتحدة على حافة تصادم، ويحول لبنان إلى ساحة مفتوحة لحروب أخرى يصعب إحصاؤها.
مع ذلك تبقى الفقرة الأولى من المذكرة الأميركية – الإيرانية شديدة الأهمية للأسباب الأساس التي أوردناها في مطلع النص. فهي تفتح الباب أمام تحول تاريخي في علاقات دول المنطقة ومكوناتها بإصرارها على وقف الحروب واحترام سيادة الدول، والدور الأساس في الوصول إلى ذلك يقع على الولايات المتحدة الوحيدة القادرة على لجم إيران وإسرائيل في الوقت ذاته، ولجمهما هذه المرة سيخضع للاختبار في جولة المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن هذا الأسبوع. فإذا تمكنت أميركا من فرض جدولة انسحاب إسرائيلي من لبنان لمصلحة لبنان وجيشه، لن يبقى لإيران “وجيشها” المحلي ما تقوله، بما في ذلك أثناء الجولات اللاحقة من مفاوضات تنفيذ المذكرة “الرائعة” بحسب لغة ترمب الأبدية.
- إندبندنت

























