ما هو الأمر الذي يجمع كل خاسري السلطة في أنحاء العالم، وعبر كل العصور، وبغض النظر عن اتجاهاتهم السياسية؟ في عام 1925 زار فيصل، ملك العراق، باريس، وهناك التقى بالسلطانين العثمانيين المخلوعين، عبد المجيد ووحيد الدين. كانا يعيشان في باريس على حافة الفقر، ويكادان يقعان به لولا ما يصلهما من حاكم حيدر أباد ومن المسلمين الهنود.
كان لا بد للحديث مع السلاطين السابقين أن يرسو في اسطنبول التي يعرفها فيصل جيداً. هنا انفجر السلطان عبد المجيد باكياً، وهو يستذكر سنوات الحكم. وكان برفقته ابنه فاروق الذي كان على ثقة بالسقوط القريب لحكم مصطفى كمال وبقرب عودة والده حاكماً إلى إسطنبول!
أما السلطان الآخر وحيد الدين، فقد كان أكثر سعادة. كان يضحك حتى وهو يستذكر أعظم المآسي. إذ كان يجد ما يُضحك في حدث ثانوي صغير على هامش المأساة الكبيرة فيستغرقه ويضحك عليه (كما ورد في مذكرات فون ساندرس طبيب الملك فيصل). لكنه هو الآخر كان غارقاً بأوهام العودة القريبة إلى إسطنبول بعد سقوط حكم مصطفى كمال الوشيك.
بعد عقود، وبعد أن تلاشت سلالة الملك فيصل من بغداد قتلاً في مجزرة قصر الرحاب عام 1958 أو نفياً في أوروبا، وقع الهاشميون المنفيون أيضاً في وهم العودة القريبة. فقد أطلّ أفراد منها بعد أن اضطربت بغداد عام 1991، فعاودوا نشاطهم انطلاقاً من بيروت أملاً بالعودة لحكم بغداد، ومارسوا أوهامهم ثانية عام 2003.
واليوم نشهد نوبة جديدة من هذا المرض، وهذه المرة في إيران، فمنذ صيف 2025 بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية الأولى، جهّز ابن الشاه السابق حقائبه وأعلن أنه قادم لحكم طهران، ثم عاود أوهامه من جديد خلال الحرب الحالية.
جواب السؤال الافتتاحي هو أن أوهام العودة القريبة إلى السلطة تتحكم بسلوك كل خاسري السلطة في العالم. ونحن في سوريا لسنا خارج هذه القاعدة السلوكية. فرغم مضي عام ونيف على السقوط المدوي للنظام البائد، نجد أن أتباعه والمستفيدين منه ما زالوا مقتنعين أن الوضع الحالي في سوريا مؤقت، وأن النظام البائد سيعود في أقرب فرصة، وقد رأينا انتشار هذه الأوهام على نطاق واسع في أحداث جدية كانقلاب الساحل، أو في أحداث كوميدية مثل شائعة عودة ماهر، أو حتى أثناء تصوير مسلسل تلفزيوني استعمل فيه المخرج علم النظام البائد فظنوا أنه قد عاد.
لكن في تفصيل غريب خاص بسوريا، تتمدد أوهام سقوط الوضع الحالي والعودة من المنافي إلى حكم سوريا إلى من كانوا محسوبين على معارضة آل الأسد. فهم يبنون مملكة من الوهم من خبر تافه أو حدث ثانوي لا قيمة له. هم يشبهون صانع غزل البنات الذي يعمل كرة كبيرة الحجم من بضع ذرات من السكر سرعان ما تذوب عندما تضعها في فمك، فتعود إلى حجمها الذري.
حددوا موعداً لسقوط النظام عند بداية العام 2026، ثم موعداً آخر في آذار الماضي. واليوم يحددون موعداً ثالثاً، مع أن أي عاقل يُدرك أن الوضع القائم في سوريا، رغم الاضطراب الظاهري، لا أخطار جدية تهدده وإلى أمد طويل، لأنه مستند إلى قاعدة اجتماعية واسعة.
تُغذي بعض الدوائر الدولية والإقليمية المتنافسة على سوريا هذه الأوهام كي تستخدمها في ابتزاز الحكومة السورية الحالية. مثلما يحدث في بعض مباريات كرة القدم عندما يطلب المدرب إحماء ستة لاعبين من الاحتياط دفعة واحدة كي ينزلوا إلى الملعب رغم أن المسموح هو تبديل لاعب أو اثنين. يُحقق المدرب هدفين من وراء هذا التصرف غير الواقعي، أولهما ابتزاز اللاعبين داخل الملعب، فيشعرهم أن كل واحد منهم بات مهدداً بالتبديل. والأمر الثاني أنه ينعش آمال الذين يبست مفاصلهم على خط الاحتياط.
وما يثير الاستغراب أكثر أن هؤلاء وقعوا سابقاً في نفس الأوهام عندما كان آل الأسد في السلطة. فخلال سنوات طويلة من وجودهم في المنافي كانوا يحددون مواعيد لسقوط آل الأسد بناء على كلمات التقطوها من نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، أو من موظف في السفارة الفرنسية في دمشق، أو بناء على تصريح موظف بالخارجية البريطانية.. الخ.
كانوا يقولون سيسقط في أيلول، فيمر أيلول دون أن يسقط، فيحددون موعداً جديداً وهكذا دواليك. والأمر الأغرب أنه عندما سقط الأسد لم يكن أحد يتوقع ذلك ولم يكن هناك مواعيد متوقعة. لأن الثورة وسواعد المقاتلين هي التي أسقطته في النهاية لا مواعيد السفارات وموظفي وزارات الخارجية الغربية.
كان الملك فيصل ينظر بحزن إلى ملوك آل عثمان المنفيين وهم يتسقطون أخبار إسطنبول معتقدين بعودتهم القريبة للحكم. فقد خبر هذه المشاعر والأفكار بنفسه بعد خسارة جيشه موقعة ميسلون، فقد طرده الفرنسيون من دمشق، عاصمة ملكه القصير، إلى حوران ثم إلى الأردن، ومن هناك ذهب إلى حيفا فأوروبا. كان مقتنعاً يومها أن مشاورات دبلوماسية لعدة أيام بين العواصم الأوروبية ستنتهي بعودته حاكماً لدمشق. ولولا حدث تاريخي استثنائي قاده لحكم بغداد لمات وهو يحدد مواعيداً لعودته لحكم دمشق.
عند حد معين، يتوقف التاريخ عن تتبع أخبار الحكام المهزومين أو المنفيين. لذلك فهو لا يقدم لنا تاريخاً محدداً للشفاء من أوهام العودة للسلطة، وهو بالمناسبة مرض معدٍ للمخالطين أيضاً. لكني أعتقد أننا بحاجة إلى جيل واحد على الأقل. يموت المصابون بالمرض ويشفى المخالطون بممارسة الرياضة أو تعاطي بعض المسكنات. وتبقى نافذة أمل أن يتقدم الطب فيخترع دواءً يُقدم الشفاء السريع.
- الثورة السورية






















