عاد ملف أسعار المحروقات إلى واجهة المشهد الاقتصادي في سوريا بعد الزيادة الأخيرة التي طاولت المازوت والبنزين والغاز، وسط تباين في القراءات بين من يربطها بمتطلبات السوق العالمية وتكاليف الاستيراد، ومن يحذر من انعكاساتها المباشرة على الأسعار ومستوى المعيشة. وتأتي هذه الخطوة في سياق اقتصادي تتداخل فيه عوامل الإنتاج المحلي، وتراجع الإمدادات، وارتفاع تكاليف الطاقة عالمياً، ما يجعل تأثيرها ممتداً إلى مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وأعلنت “الشركة السورية للبترول”، الخميس، رفع أسعار المشتقات النفطية في السوق المحلية بنسب تتراوح بين 17 بالمئة ونحو 29.5 بالمئة، بدءاً من اليوم.
وارتفع سعر ليتر المازوت أول إلى 0.88 دولاراً بدلاً من 0.75 (نحو 17.3 بالمئة). كما ارتفع سعر ليتر بنزين 90 إلى 1.1 دولار بدلاً من 0.85 (نحو 29.4 بالمئة)، وليتر بنزين 95 إلى 1.15 دولار بدلاً من 0.91 (نحو 26.4بالمئة).
وصعد سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 12.5 دولاراً بدلاً من 10.5 (نحو 19بالمئة)، فيما ارتفع سعر أسطوانة الغاز الصناعي إلى 20 دولاراً بدلاً من 16.8 (نحو 19 بالمئة).
قرار حساس
قال مدير العلاقات العامة في وزارة الطاقة أحمد سليمان، لصحيفة “الثورة السورية” إن رفع أسعار المحروقات يعود إلى الارتفاع العالمي في أسعار النفط.
وصعد سعر خام “برنت”، وهو المعيار العالمي لأسعار النفط، من 72.48 دولاراً للبرميل في 27 شباط، قبل يوم من اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، إلى أعلى مستوياته في 30 نيسان الماضي، حين بلغ 126.41 دولاراً للبرميل، قبل أن يتراجع اليوم إلى ما دون 100 دولار وسط ترقب اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران.
وأوضح سليمان أن الوزارة حاولت الإبقاء على الأسعار دون تغيير، لكنها لم تتمكن من الاستمرار في ذلك، مشيراً إلى أن الزيادة الحالية جاءت محدودة مقارنة بالدول التي رفعت الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير.
وأضاف أن نسبة الارتفاع التي تم اعتمادها كانت “طفيفة نسبياً”، بهدف تجنب التسبب بخسائر فادحة في قطاع الطاقة.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال، أن حساسية القرار تنبع من كون المحروقات تدخل في معظم مفاصل الاقتصاد، بدءاً من النقل والزراعة وصولاً إلى الصناعة والكهرباء والتدفئة.
وأوضح رحال لصحيفة “الثورة السورية”، أن المازوت يُستخدم في تشغيل المولدات الكهربائية ووسائل النقل والشحن والآليات الزراعية والأفران والمصانع، ما يجعل أي زيادة في سعره تنعكس تلقائياً على أسعار السلع والخدمات.
وأضاف: “اقتصادياً، كل زيادة بنسبة 10 بالمئة في أسعار الوقود داخل الاقتصادات الهشة تؤدي غالباً إلى ارتفاع إضافي في معدلات التضخم يتراوح بين 2 بالمئة و4 بالمئة خلال أشهر قليلة، ومع ارتفاع بعض المشتقات بأكثر من 25 بالمئة فمن المتوقع أن تشهد الأسواق السورية موجة جديدة من ارتفاع الأسعار”.
واعتبر رحال أن المشكلة الأساسية تتمثل في أن دخول السوريين لم ترتفع بالمعدل نفسه، فارتفاع الوقود يعني عملياً ارتفاع أجور النقل وأسعار الغذاء، وزيادة تكاليف التدفئة، وارتفاع تكاليف الكهرباء الخاصة، مع زيادة أسعار المنتجات الصناعية والزراعية.
كما أن ارتفاع الغاز المنزلي يضيف عبئاً مباشراً على الأسر، خصوصاً مع تراجع القدرة الشرائية خلال السنوات الماضية، لذلك يتوقع أن يزداد الضغط على الطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود خلال الفترة المقبلة، وفق رحال.
الصناعة أمام تحدٍ جديد
يعد القرار أول تحريك للأسعار بالدولار منذ تخفيضها في 12 تشرين الثاني 2025. وحددت النشرة سعر صرف الدولار بـ133 ليرة جديدة (13,300 ليرة قديمة).
ويرى رحال أن القطاع الصناعي يُعد من أكثر المتضررين من ارتفاع أسعار المحروقات، نظراً لاعتماد جزء كبير من المعامل على الوقود المباشر والمولدات الخاصة والنقل البري، مشيراً إلى أن الصناعات الغذائية والألبان والزيوت والبلاستيك والإسمنت من بين أكثر القطاعات تأثراً.
فارتفاع كلفة الطاقة يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج وأسعار المنتجات، وتراجع هامش الربح، إضافة إلى انخفاض القدرة التنافسية.
كما أن المصانع التي كانت تعاني أصلاً من ضعف الكهرباء وارتفاع تكاليف التشغيل ستواجه ضغوطاً إضافية بعد هذه الزيادة، بحسب رحال.
ضرورة اقتصادية
أوضحت “الشركة السورية للبترول” في تصريح لصحيفة “الثورة السورية” أن هذه الإجراءات تأتي ضمن إطار إدارة استدامة الخدمة وضمان استمرارية التوريد، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المؤثرة على قطاع الطاقة، بما يحقق التوازن بين استمرارية الخدمة واستقرارها.
وأضافت أن تعديل الأسعار جاء في ضوء الارتفاعات العالمية المتواصلة في أسعار النفط، وتكاليف التوريد والشحن، إلى جانب التداعيات المرتبطة بالظروف الإقليمية الراهنة، وما فرضته من ضغوط إضافية على قطاع الطاقة.
ولفتت إلى أنه خلال الفترة الماضية جرى الحفاظ على استقرار الأسعار رغم ارتفاع الكلفة الفعلية، في إطار الحرص على امتصاص انعكاسات المتغيرات العالمية قدر الإمكان، وضمان استمرار توفر المشتقات النفطية والخدمات المرتبطة بها.
ويؤكد رحال أنه رغم التأثيرات السلبية للقرار، ترى الحكومة أن رفع الأسعار بات ضرورة مالية واقتصادية في ظل استمرار اعتماد البلاد على استيراد جزء كبير من احتياجاتها النفطية.
ويشير إلى أنه قبل عام 2011 كانت سوريا تنتج نحو 380 إلى 400 ألف برميل نفط يومياً، وكانت قريبة من تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض السنوات، إلا أن السنوات الماضية شهدت تراجع الإنتاج بشكل حاد، وخروج عدد من الحقول عن الخدمة، وتضرر البنية التحتية، وصعوبة الاستثمار والتطوير.
وفي بعض السنوات، هبط الإنتاج إلى أقل من 20 ألف برميل يومياً، أما اليوم فهناك خطط رسمية لرفع الإنتاج تدريجياً إلى نحو 200 ألف برميل يومياً بحلول نهاية عام 2026، ما قد يغطي حاجة البلاد الفعلية من المشتقات النفطية، بحسب الخبير الاقتصادي.
فاتورة الاستيراد
تعتمد سوريا حالياً على الاستيراد لتغطية جزء مهم من احتياجات الطاقة، ما يفرض ضغوطاً كبيرة على احتياطي العملات الأجنبية، وفق رحال.
وأضاف أن التقديرات الاقتصادية تشير إلى أن فاتورة استيراد النفط والمشتقات النفطية تكلف البلاد ما يقارب 20 بالمئة من الإنفاق العام (10.5 مليارات دولار في 2026)، وهو رقم كبير نسبياً ومرشح للزيادة خلال العام الجاري، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين البحري.
كما أن أي اضطراب في المنطقة ينعكس فوراً على الأسعار المحلية، حيث ازدادت الضغوط النفطية مؤخراً مع تصاعد التوترات في منطقة الخليج ومضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية، وفق رحال.
ورغم عدم توقف الملاحة بشكل كامل، فإن مجرد التوتر أدى إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وزيادة تكاليف النقل البحري، وارتفاع التأمين على ناقلات النفط، وزيادة علاوة المخاطر. وبما أن سوريا تستورد جزءاً من احتياجاتها النفطية، فإنها تتأثر مباشرة بهذه الزيادات، كما يقول رحال.
السياق الإقليمي والدولي
رفعت دول عدة في المنطقة، بينها السعودية والإمارات وقطر ومصر والأردن، أسعار المحروقات منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران في 28 شباط الماضي.
وحتى قبل الحرب، شهدت السنوات الماضية ارتفاع أسعار المحروقات لأسباب عدة، من بينها الحرب في أوكرانيا، واضطرابات سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة.
لكن الفرق، بحسب رحال، أن الدول النفطية تمتلك احتياطيات مالية ضخمة، ورواتب أعلى، وأنظمة دعم اجتماعي أكبر، بينما يواجه الاقتصاد السوري ظروفاً أكثر تعقيداً وصعوبة، ما يجعل تأثير أي زيادة أكثر قسوة على المواطنين والقطاع الإنتاجي، وفقاً لتقديره.
وأضاف أن في الوقت الراهن يبدو أن الحكومة تحاول من خلال رفع الأسعار تقليل الفجوة بين تكلفة الاستيراد الحقيقية وسعر البيع المحلي المدعوم، غير أن المشكلة الأساسية تبقى في ضعف الدخول والأجور وتراجع الإنتاج المحلي.
وشدد على أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يحتاج بالتوازي إلى زيادة الإنتاج النفطي والغازي، وتحسين الكهرباء ودعم الصناعة والزراعة ورفع الرواتب وتطوير النقل العام.
وأوضح رحال أن رفع أسعار الطاقة دون نمو اقتصادي موازٍ يؤدي غالباً إلى زيادة التضخم وتراجع القدرة الشرائية، ما يضع الاقتصاد أمام معادلة صعبة بين الحاجة إلى التمويل والحفاظ على الاستقرار المعيشي.
توجه حكومي
من جانبه، يتوقع أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة، وجود توجه حكومي لرفع الدعم بشكل كامل والتماشي مع أسعار السوق العالمية.
وقال حبزة لصحيفة “الثورة السورية”: “أصبحت السوق حرة مع قرارات حكومية متسارعة، من رفع سعر الخبز إلى الكهرباء والآن المحروقات، وهذا يؤثر على الحياة المعيشية للمواطن في ظل انخفاض القدرة الشرائية”.
ويرى حبزة أن من المفترض رفع دخل المواطن بما يتناسب مع ارتفاع أسعار هذه المواد، مشيراً إلى “فجوة كبيرة” بين الدخل وتسارع الأسعار.
وكانت الحكومة السورية قد رفعت في عام 2025 رواتب الموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة والمتقاعدين بنسبة 200 بالمئة، ثم صدر مرسوم آخر في 2026 بزيادة أجور العاملين 50 بالمئة، كما أقرت زيادات نوعية للعاملين في بعض القطاعات.
وخلال أقل من عام، شهد الحد الأدنى للأجور تحولات جذرية في سوريا، إذ ارتفع من نحو 279,000 ليرة قديمة في النصف الأول من عام 2025 إلى 750،000 ألف ليرة، ثم إلى 1,256,000 ليرة بعد صدور المرسوم الرئاسي رقم 67 لعام 2026، أي بزيادة تقارب 350 بالمئة.
لكن رغم ذلك، يرجح حبزة أن يكون القرار “مقدمة لتحرير الأسعار بشكل نهائي ورفعها مثل دول العالم، وهذا لا يتناسب مع دخل المواطن، فهناك شريحة من الموظفين الحكوميين تم رفع دخولهم بشكل جيد كالاطباء والمهندسين والعاملين في قطاعي النفط والكهرباء، بينما الحكومة غير قادرة على رفع الأجور بنفس السوية”.
وتحدث حبزة عن “فترة عصيبة ذات تأثير سلبي على جميع المواطنين”، مرجحاً وجود انتقال إلى طريقة جديدة في إدارة الاقتصاد لا تتناسب مع الشرائح الضعيفة، بحسب تعبيره.
- الثورة السورية





















