هل تكون الاحتجاجات في سوريا وسيلةً للتغيير؟ قرابة 80 وقفة احتجاجية خلال 3 أشهر

زينة شهلا

 

    • «شو صار بالوقفة اليوم؟»، «شفتو اللافتات؟»، «مو راجعين ليسمعوا صوتنا»… عبارات لم يعد من الغريب أن نسمعها ونسمع غيرها في الشارع السوري مؤخراً، مع تصاعد لافت لوتيرة الوقفات الاحتجاجية في عموم البلاد.

      من الحاجات المعيشية، إلى التنديد بجرائم الاحتلال الإسرائيلي، ومحاولات الضغط لتحقيق مطالب سياسية، وصولاً إلى إحياء ذكرى معينة مرتبطة بالثورة السورية. يبدو أن إطلاق النداءات لتنفيذ وقفات واعتصامات أصبح من الأدوات الجديدة المُتاحة للشارع السوري، سواء للتعبير عن فكرة ما أو للوصول إلى تحقيقها ولو جزئياً، مع مشاركة العشرات وأحياناً المئات فيها. وبات الأمر ساحة للنقاشات بين الناس وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بين مؤيد لهذا النوع من التحركات ومعارض له، تحت ذرائع عدة.

      ما هي أبرز المطالب؟

      خلال الأشهر الثلاثة الفائتة، استطعنا رصد قرابة 80 وقفةً احتجاجية، أي بمعدل وقفة واحدة كل يوم تقريباً، في كل من دمشق وريفها وحلب ودير الزور والرقة وإدلب واللاذقية والحسكة والقنيطرة ودرعا وحماة وحمص، نفّذها طلاب، وسائقو سيارات أجرة، ومرضى زراعة الأعضاء، وأهالي مفقودين، وأصحاب بسطات، وسكان مناطق مدمرة تنتظر إعادة الإعمار، ومحامون، ومعلمون، وأصحاب محلات في أسواق معينة، إلى جانب وقفاتٍ تضمَّنت شرائح مختلفة بمطالب جامعة، مثل المطالب بالتراجع عن زيادة تعرفة الكهرباء، وتحسين الأوضاع المعيشية، وتطبيق القانون، والتصدي للانفلات الأمني، ومحاربة الفساد، وكذلك التذكير ببعض مفاصل الثورة والحرب في سوريا. إلى جانب ذلك، تشهد محافظة السويداء بشكل خاص وقفات مُتكررة إثرَ مجازر تموز (يوليو) الفائت، بمطالب منها «حق تقرير المصير» وعودة المهجرين وكشف مصير المفقودين.

      وقد يصعب حصر طرق تنظيم هذه التحركات الشعبية، فبعضها يكون عفوياً ويتم التخطيط له خلال يوم أو يومين عبر مجموعات نقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة عند حدوث أمر طارئ، وأخرى تُنظَّم من أبناء مناطق معينة أو شرائح تجمعها احتياجات متماثلة، وفي بعض الحالات فإن التنظيم والحشد يكونان على مدى زمنيٍّ أطول نسبياً وذي فاعلية أكبر من خلال بعض القوى والتيارات الفاعلة في المشهد السوري، كما حدث في اعتصام «قانون وكرامة» في دمشق منتصف الشهر الحالي.

      ووفق الناشط عامر زيدان، وهو ابن حي جوبر الدمشقي، فإن الشارع في دمشق وريفها على وجه الخصوص يخرج اليوم لسببين أساسيين: الأول، مطالب مُتعلقة بالاحتياجاتِ المعيشية مثل الغلاء والكهرباء، والاحتجاج على قرارات تخص مثلاً الأعمال التجارية أو تمس الحريات الشخصية، والسبب الثاني مرتبط بشكل خاص بالمناطق التي كانت ثائرة في وجه نظام الأسد، ولها اليوم مطالبها الخاصة المُتعلقة بإعادة الإعمار، والكشف عن مصير المفقودين، ومحاسبة المجرمين ورفض التسويات مع رموز نظام الأسد. ويُضيف: «في أغلب الأوقات يتم التنظيم من قبل ناشطين أو فاعلين مدنيين، ومن خلال مجموعات واتساب تُنشأ خصيصاً لهذا الغرض أو مجموعات قديمة فاعلة».

      أمّا المحامية والسياسية ديما الموسى، فترى أن «ازدياد الاحتجاجات في سوريا وبالأخص خلال الفترة الأخيرة، مؤشر على أمور أبرزها أن تدهور الأوضاع المعيشية والمساس بالحريات الشخصية والعامة وتأخر ملفات العدالة الانتقالية، هي أمور بالغة الأهمية للشعب السوري، ويراها أساسية ليكون هناك انتقال حقيقي من الحقبة السابقة إلى الدولة التي تُلبي احتياجاته وتطلعاته وتضعها ضمن أولوياتها. كما أن توسّعها لتشمل مطالب مختلفة، وشرائح أوسع من الناس، يعني أن هناك غضباً يتصاعد».

      هل الشارع أداة مناسبة للاحتجاج؟

      من خلال متابعة نقاشات دارت خلال الأسابيع الفائتة على وجه الخصوص، حول الأدوات الأنسب التي يُمكن للسوريين اليوم أن يُوصِلوا من خلالها أصواتهم ومطالبهم المختلفة، رصدنا آراء وأسئلة مُتباينة حول الدور الذي يجب أن يلعبه المجتمع المدني والتيارات والأحزاب السياسية سواء الراسخة من قبل في المشهد السوري أو الناشئة حديثاً، ووزن هذا المجتمع والتيارات وفاعليتها الحقيقية، وكيف ومتى من الممكن مخاطبة السلطات وتوجيه المطالب إليها، وغيرها من الأسئلة التي لا بد من طرحها في المرحلة الحالية.

      «الاحتجاجات ضمن الشارع حق وواجب»، يتابع عامر زيدان. ويُضيف: «هي حق اكتسبه الشعب السوري بعد 14 سنة وعدد كبير من الشهداء. يجب أن تكون هذه الثقافة موجودة في سوريا، لكن مضبوطة من السوريين أنفسهم، بأن يكون هدفهم الأساسي بناء وطن جامع وتقبل الطرف الآخر». لكنه هنا أيضاً لا يُنكر تخوفه من احتمالات إفشال أي حراك أو توجيهه نحو منحى آخر، لأسباب منها جهود يقودها أشخاص مرتبطون بنظام الأسد، أو عدم توافق جزء من الشارع السوري مع مطالب هذه التحركات، أو نظرتهم لها بأنها ليست أولوية أمام مطالب كبيرة متعلقة بتأخر العدالة الانتقالية والمحاسبة وجبر الضرر لملايين السوريين الذين ما زال جرحهم مفتوحاً. يقول: «ما زلنا بحاجة لوقت كي نبني الوعي بين الناس بضرورة هذا النوع من التحرك المدني».

      يُشير أحد الناشطين المدنيين، وقد فضّل عدم الحديث باسمه الصريح، إلى أن «أشكال العمل المدني يجب أن تتنوع حالياً في عموم سوريا، من تظاهر واحتجاج، إلى فتح قنوات حوار في كل الاتجاهات، وغيرها من الأدوات. نحن في لحظة حرجة تتطلب من المجتمع المدني والسياسي أن يخرج من فقاعته وينظم نفسه ويبني علاقة أفضل مع الحوامل الشعبية، ويعرف تماماً ما هي المطالب الجامعة للسوريين وكيف يُمكن البناء وفقها».

      مع ذلك، ونتيجة تجاهل السلطة الانتقالية الحالية لكثير من الحلول والنداءات التي أطلقتها جهات مختلفة داخل سوريا وخارجها منذ اللحظات الأولى لسقوط نظام الأسد، سواء كنّا نتحدث عن القطاعات الاقتصادية أو الحقوقية أو المعيشية وغيرها، يُضيف المتحدث بأن «التحرك في الشارع بات آخر الحلول التي يُمكن أن يلجأ إليها السوريون، خاصة مع شعورهم بأنهم مستبعدون من كل دوائر صنع القرار. وهنا لا بد من الانتباه بطبيعة الحال من تسلّق بعض الجهات خاصة المرتبطة بالنظام القديم لهذه التحركات وتعمدها التشويش، لكن ذلك لا يعني إلغاءها أو الاستغناء عنها، بل لا بد من التعلّم من التجربة والتنظيم بشكل أفضل وأكثر فاعلية».

      فرصة أم تهديد؟

      سألنا عدداً ممن شاركوا في وقفات احتجاجية مختلفة عن نتائجها وأفقِها، وكيف يُمكن تقييم نجاحها أو فشلها. يتحدث البعض عن استجابة لعدد من مطالبهم خاصة عندما تكون واضحة ومُحدّدة، ويُشير آخرون إلى وعود حصلوا عليها من الجهات المعنية بقضاياهم للنظر بشأنها.

      ينظر زيدان بإيجابية إلى نتائج بعض الوقفات الاحتجاجية، إذ استُجيب لبعض مطالبها، ويُشير إلى أن تسليط الضوء إعلامياً على بعض القرارات وتحويلها إلى «ترند» قد يدفع الجهات المعنية للتجاوب معها.

      بدورها، ترى ديما الموسى أن «بقاء هذه التحركات في إطار الاحتجاجات المطلبية، يُظهر نضجاً في الشارع، ولكن ما يجب أن يحصل هو أن تلقى هذه المطالب آذاناً صاغية وتجاوباً من قبل الدولة والحكومة، كي لا تصل حالة الغليان في الشارع بعد فترة إلى انفجار كالذي شهدته البلاد عام 2011. اليوم هناك فرصة لدى السلطة أن تكون أكثر انفتاحاً وتجاوباً مع الشعب، وأن تحوّل هذه الاحتجاجات إلى فرصة لبناء الثقة بدل أن تُصبح تهديداً إضافياً لبلد وشعب لا يُريد أن يخوض سنيناً إضافية من الحرب والصراع والأزمات».

      كما تنوّه إلى ما تصفه بـ «تطور أسلوب تعامل الأمن العام مع الاحتجاجات بطريقة مهنية وحيادية، تصبُّ في حماية المشاركات والمشاركين»، وهو «مؤشر إيجابي» برأيها. تُضيف: «يجب أن ترافقه خطوات إضافية تُظهر أولوية حماية المواطنات والمواطنين، ليس أمنياً فحسب، بل أيضاً اقتصادياً واجتماعياً وقانونياً، وهذا يعني التجاوب مع مطالب الاحتجاجات، وليس فقط السماح بها».

      ومن الجدير بالذكر أن وزارة الداخلية أصدرت مساء الأحد الفائت تعميماً «لآلية تنظيم وترخيص التظاهر السلمي»، يتضمن إجراءاتِ وشروطَ الترخيص للمظاهرات السلمية، ويقتضي تعيينَ لجنة للتنظيم، وتقديمَ طلب إلى المحافظة المعنية، مع تولي وزارة الداخلية توفيرَ الحماية للمظاهرة – إلا في حال رفضها – ومنعَ حمل السلاح للمشاركين فيها. ولعل هذا سيكون اختباراً لمدى جدية السلطات في التعامل مع الاحتجاجات ومطالبها في الفترة المقبلة، ولكن هناك مشكلة أساسية في التعميم بحسب حقوقيين وباحثين، وهو تحكّم السلطة الانتقالية بالسماح بالتظاهر أو منعه، بدلاً من الاكتفاء بـ«إخطار» وزارة الداخلية قبل موعد مُحدّد من التجمّع، فحق التظاهر منصوصٌ عليه في الإعلان الدستوري.

Next Post

اترك رد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

مايو 2026
س د ن ث أرب خ ج
 1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031  

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist