يقصد بخطاب الهوية تدفقات الكلام والاهتمامات والانشغالات حول موضوع الهوية. ومن فرط هذا التكاثر يتولد احساس بأن الهوية أصبحت مهددة، ولقد كنت – ومازالت- قريبا من هذا الخطاب، بل ومنخرطا فيه انخراطا كبيراً فى الحوار الوطني، وها أنذا أعود إلى الكتابة عن الموضوع لمحاولة فهم الخطاب الدائر حولها: ما هى الملابسات وجوانب الغموض التى تكتنف طرح الموضوع؟، وما هى الجوانب التى تُغفل ولا تمس إلا من بعيد؟.
ولا سبيل إلى فهم الهوية العمومية للجماعة دون فهم الهوية الفردية. فثمة حقيقة وجودية مهمة أن الأفراد يختلفون فى صفاتهم، وأن هناك فروقاً فردية بينهم؟ هنا تبرز الهوية الفردية، حيث يقارن الفرد نفسه بالآخرين فيجد أنه لحياته «صبغة» معينة تسود فيها صفات شخصية وتوجهات وقيم بعينها تميزه عن الآخرين،وعندما نطبق هذا القياس على الجماعة، نجد أنها تقارن نفسها بالجماعات أو المجتمعات الأخري، وتسأل من أكون (أو من نكون) وهنا تحضر الهوية، أى مجموعة الصفات والتوجهات والقيم التى تسم الجماعة، والتى تضفى عليها «صبغة» معينة تجعلها تختلف عن الآخرين.
ورغم أن الهوية لها مؤشرات واقعية كاللغة والتاريخ المشترك والدين وأساليب الحياة المشتركة، إلا أنها تكون أكثر ارتباطاً بالمشاعر الجمعية، أو بما يسمى «المخيال الجماعي»، التى تعبر عنه الرموز والأساطير والتراث والذاكرة الشعبية المتصلة بالحكايات والتراث الشعبى الأدبى والبطولات والانكسارات التاريخية. يتقاطع مفهوم الهوية هنا مع مفهوم الأمة، حيث المشاعر المتخيلة التى تحتفظ بها الجماعة داخل خبائها العقلى وضميرها الجمعى أو روحها الجمعية.
ولكن ثمة مغالطات أو مظاهر من الغموض تكتنف فهم موضوع الهوية. وغالبا ما تسيطر هذه المغالطات على الخطاب خاصة عندما تتداخل الخطابات الشعبية والأكاديمية والسياسية، فيتم تناول قضية الهوية عبر كلام مرسل يحمل فى طياته مغالطات كثيرة. من أهم هذه المغالطات، النظر إلى الهوية على أنها ثابتة وغير متغيرة، وكأن الهوية قيمة أو قلب ثابت تلتف حوله كل الدنيا، وأن أى تغيرات لا تمس الهوية بحال. ولقد شب خلاف أثناء الحوار الوطنى حول هذه النقطة، ونهرت واحدة من الحاضرات الآخرين بألا يفكروا قط فى أن الهوية متغيرة لأن ذلك ليس من العلم فى شيء. ولو كنا جميعاً قرأنا كتاب جان فرانسو بايار بعنوان «وهم الهوية» لعرفنا أن هذا الكلام يعد مغالطة، وأن الهوية متغيرة تتحدد وفقاً لاعتبارات اجتماعية وسياسية، وبناء عليه تتحدد المغالطة الثانية وهى أن ثمة هوية نقية لا تشوبها شائبة. فطالما أن الهوية متغيرة فلن تكون هناك هوية نقية. الهوية عملية دائمة التشكل.
وعلى هذا الإطار دحض بعض علماء الانثربولوجيا فكرة روث بندكت بأن هناك نمطاً ثقافياً عاماً، أى خصائص شائعة تشكل نمطاً ثقافياً واحدا داخل كل ثقافة. فهذه الفكرة تم تطويرها للحديث عن أنماط ثقافية أو موضوعات ثقافية متعددة. إن الهوية لا تتشكل من نمط ثقافى واحد له نقاؤه الخاص، بل تدور حول أنماط أو موضوعات ثقافية متعددة، وهى دائمة التشكل. ويعتبر هذا مقدمة للمغالطة الثالثة والأخيرة، والتى ترتبط بموضوع الخصوصية.
وأنا شخصياً لا أنكر الخصوصية قط، إذا ما فهمت على أنها رؤية لما هو خاص فى تاريخ الشعوب، ولكن يجب ألا تنتهى بنا الخصوصية إلى القول بأننا نختلف جذريا عن البشر الآخرين أو أننا هبة تاريخية. فلا يخفى علينا كيف يؤدى مثل هذا الزعم إلى ضروب من التعصب، ولقد أدى فى تاريخ الحضارات إلى كوارث منها كارثة الاستعمار، حيث فرض المستعمرون سيطرتهم على ثروات الشعوب الأخرى من خلال مزاعم حول تفوق الغرب فى مقابل تخلف الشرق.
وأحسب أن خطاب الهوية الشائع بيننا يركز على مثل هذه الأمور، ولكنه يهمل أموراً أخرى يحق لنا أن نتناولها فى هذا الحديث. من أول هذه الأمور تتبع جذور هذا الخطاب وكيف تجذر فى بناء ثقافة المجتمعات الحديثة خاصة مجتمعات ما بعد الاستعمار. إن الاستعمار هو الذى أشعل نيران القلق حول الهوية؛ فقد ترك الشعوب فى حالة تخلف ترهقها أسئلة المستقبل ونماذج التقدم والتنمية، وترهقها أيضا معيارية المقارنة بالحضارة الحديثة. ويذهب مفكرون إلى القول إن خطاب القلق على الهوية هو خطاب وهمى تخّلق من الأثر الاستعماري، وأن الجهد الكبير الذى ينفق فى هذا الخطاب يجب أن يتجه إلى عمليات بناء الهوية فى إطار عملية شاملة لبناء الأمة. قد أشير على القارئ الكريم إذا لم يكن قد قرأ الكتابين التاليين أن يتفضل بقراءتهما. الأول للمفكر الفرنسى فرانز فانون (1925-1961) وهو كتاب «معذبو الأرض»، عن أثر الاستعمار بالإشارة إلى المجتمع الجزائري؛ والثانى كتاب المؤرخ الأمريكى بيتر جران (1924-2024)بعنوان «الاستشراق: هيمنة مستمرة» للتعرف على دور الاستشراق فى تكريس قلق الهوية. ولمن يريد أن يستزيد فليقرأ كتاب داريوش شايغان بعنوان «أوهام الهوية» الذى يعرض للتناقض الذى خلفه الاستعمار بين الهوية التقليدية والهوية الحديثة.
ومن الأمور المسكوت عنها فى خطاب الهوية قضية تمزيق الهوية أو تشظيها من جراء العولمة. فقد أدت العولمة إلى توحيد الأطر، ولكنها خلفت تفكيكاً للثقافات المحلية، مما أثر تأثيرا كبيرا على الهوية، التى أصبحت مهددة تحت زحف قوى العولمة. وأحسب أن هذا الموضوع هو أهم الموضوعات جميعاً، وهو الذى يجب أن نوليه أهمية قصوي. ويدعونا ذلك إلى أن نحول دفة الخطاب، فبدلا من البكاء على أطلال ومغالطات لا معنى لها، يجب أن نركز على الجذر الأساسى فى فوران القلق على الهوية. اقصد هنا الاستعمار وفيما بعده من هيمنة، ومن عولمة تتحول يوما إلى غول يأكل الهويات المحلية.
ثم بعد هذا الفهم، وفى ضوئه نفكر فى طرق بناء الهوية، عبر الحفاظ على اللغة، وعلى ما هو جميل وأصيل فى التراث، وعلى ما هو ناصع فى تاريخنا وفى أنماط عمراننا؛ وأن نعيد النظر فى أطر تكوين النشء عبر الأسرة والتعليم، وفى شبكات الاتصال التى تؤسس لرأسمال اجتماعى يؤطر لمبادئ المواطنة وما يلحق بها من قيم.
- الأهرام





















