بعيداً عن الفقه الإسلاميّ، لنسأل سياسيّاً: هل الرئيس دونالد ترامب مسيّر أم مخيّر في قراراته؟ هل ترامب “أداة” لقوى كبرى أتت به أم هو حالة خاصّة عابرة للقوى والمؤسّسات المحليّة والدوليّة يقود ولا يُقاد فقام بانفعالات بلا سيطرة أو ضوابط؟
لا تعكس ظاهرة ترامب قوّته بقدر ما تعكس الخلل العظيم الذي أصاب نظام الآباء المؤسّسين، وضرب بتوازنات جورج واشنطن وأبراهام لينكولن وجهود آدامز ومبادئ وودرو ويلسون وتشريعات فرنكلين روزفلت ونضال النخب وأفكار المحكمة الدستوريّة العليا عرض الحائط.
كانوا يراهنون على أنّ ترامب “بضاعة مجهولة” من أنياب الرأسماليّة المتوحّشة التي تفرّدت على مدى 20 عاماً من حكم الديمقراطيّين الليبراليّين (كلينتون، أوباما، بايدن) الذين يؤمنون بالعولمة والضمان الاجتماعيّ والصحّيّ ومسؤوليّة الدولة الأميركيّة من الداخل والخارج مهما كانت التكاليف والأعباء على اقتصاد البلاد والعباد.
رئيس غير مبدئيّ
كان التصوّر أنّ هذا الرجل المقاول الاقتصاديّ متفلّت، غير مؤدلج، قادر على أن يضرب شبكة الإنجازات الديمقراطيّة المعادية لليمين وللرأسماليّة وللفكر الاجتماعيّ.
أزمة ترامب أنّه بعدما ركب قطار هذه القوى العملاقة المتوحّشة الانعزاليّة المضادّة للعولمة، وصل إلى سدّة الحكم بنتائج مبهرة مكّنته من ممارسة السلطة المطلقة.
نحن أمام رئيس غير مبدئيّ، لا يلتزم القانون العامّ، يخالف أبسط قواعد الدستور، غير مكترث بتشريعات القانون الدوليّ ولا بالتزامات بلاده لاتّفاقات ومعاهدات وتحالفات درستها ووقّعت عليها.
نحن أمام رجل لا يكترث بالأمم المتّحدة ومنظّماتها ولا بمحكمة العدل الدوليّة ولا بالمحكمة الجنائيّة ولا بعضويّة الحلف الأطلسيّ ولا بالعلاقة الخاصّة مع الاتّحاد الأوروبيّ ولا باتّفاقات ولا التزامات عضويّة الدول الصناعيّة السبع ومجموعة العشرين.
أزمة ترامب أنّه بعدما ركب قطار هذه القوى العملاقة المتوحّشة الانعزاليّة المضادّة للعولمة، وصل إلى سدّة الحكم بنتائج مبهرة
هو رجل لا يلتزم أيّ شيء سوى خدمة ما يراه في مصلحته الشخصيّة، رجل حوّل أمن العالم إلى أمنه الخاصّ وأمن مصالحه، وحوّل الأمن القوميّ الأميركيّ إلى أمن الرئاسة وأمن البيت الأبيض، وحوّل الحزب الحاكم إلى حركة “الماغا”.
قام ترامب بالاستفراد بكلّ شيء والتصرّف بشكل إمبراطوريّ مثل قياصرة روما الذين يملكون الأرض وما عليها، ويتصرّفون في البلاد والعباد بل ومصائر كلّ العالم كأنّها غنيمة حرب يفعلون بها ما يشاؤون.
يعيش ترامب الآن الصدمة النفسيّة الكبرى، وهي حالة تناقض حقائق الواقع مع الأوهام والخيالات والضلالات التي تسكنه.
أثبت له الواقع ما يلي:
– تسوية حرب أوكرانيا وروسيا لا تنتهي في 48 ساعة.
– نزع سلاح “حماس” ليس أمراً سهلاً.
– اغتيال المرشد الأعلى الإيرانيّ لا يؤدّي إلى سقوط أوتوماتيكيّ للنظام الإيرانيّ.
– فرض رسوم على أكثر من 190 دولة لن يحمي الاقتصاد الأميركيّ، بل سوف يسيء للمستهلك المحلّيّ.

– الصين عملاق تجاريّ يمكن تعطيل صعوده لكنّه صامد بقوّة لا يمكن إيقافها.
– لا يمكن ضمان دعم الحلف الأطلسيّ في لجم طموحاته إلى الانفراديّة الأميركيّة ما لم تتمّ استشارة الشركاء الأوروبيّين فيه.
– لا يمكن العمل في واشنطن مع تجاوز تشريعات الكونغرس في الموازنة العامّة، ومع تجاوز الأحكام النهائيّة للمحكمة الدستوريّة العليا.
تسويات بأيّ ثمن
جعل الشعور بالمأزق الآن ترامب يحاول البحث عن “مخارج آمنة” من تلك الأوضاع الصعبة التي أدخل نفسه فيها، وليس من الانفلات بأيّ ثمن.
الخروج بأيّ ثمن يجعله يبيع أيّ حليف أو يشوّه أيّ اتّفاق أو أيّ تسوية أو يجعل العالم كلّه يدفع كلفة أيّ فاتورة مهما كانت غالية.
لذلك كلّه سوف يكون إنتاج أيّ تسوية مع روسيا والصين و”حماس” وإسرائيل وإيران بأيّ ثمن ومن دون تفاعل مع جذور الأزمات ولا سعي إلى إنهاء أسباب الصراعات ولا تفكيك روابط الانفجارات.
سوف يترك ترامب هذا العالم بعد ألف يوم من الآن، وهذا العالم أكثر فوضى واضطراباً وارتباكاً، وأكثر فقراً وأقلّ أمناً وأقلّ توازناً.
سوف يترك ترامب هذا العالم أكثر انقساماً وأقلّ إيماناً بالسلام والشعوب.
العالم الذي يريده ترامب ليس العالم الذي يريده العالم. والعالم الذي يريده ترامب ليس هو العالم الذي سعى إليه الآباء المؤسّسون للولايات المتّحدة. والعالم الذي يريده ترامب ليس العالم الذي حكمت به “الماغا”. والشرق الأوسط الذي يريده ترامب ليس الشرق الأوسط الذي يريده سكّانه وحكّامه.
كان دونالد ترامب “مسيّراً” حتّى تمكّن من السلطة، ثمّ انفلت، وأصبحت خياراته قاتلة.
- أساس ميديا

























