يقدّم هـ. أ هيلر تحليلاً مهماً عن الوضع الإقليمي في مقالته في مجلة الشؤون الخارجية الأميركية “الخليج العربي وإسرائيل يمتلكان رؤيتين مختلفتين لشرق أوسط جديد (4/5/2026)، إذ يحلل التأثيرات والتداعيات الاستراتيجية للحرب الأميركية- الإيرانية الراهنة، وما سبقها من الحرب على غزّة، على مفهوم الأمن الإقليمي الخليجي، وما رسَّخته تلك الحرب من تباين واضح بين رؤيتي غالبية دول الخليج وإدارة ترامب للشرق الأوسط في المرحلة المقبلة.
وفقاً لهيلر، ويتفق كاتب المقال معه في هذا، تقوم رؤية ترامب على تصوّر يتأسس على مشروع الاتفاقيات الإبراهيمية، وإدماج إسرائيل في المنظومات الأمنية والسياسية والاقتصادية في المنطقة، مع ترسيخ لمفهوم الهيمنة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، الأمر الذي ليس مقبولاً لا لغالبية دول الخليج ولدول المنطقة، ويجعل من تصوّرات ما يسمى “اليوم التالي” أو مرحلة ما بعد الحرب مسألة في غاية الغموض ومثاراً للشكوك والتساؤلات. ويصل الكاتب إلى نتيجة مهمة، أنّ دول الخليج لن تفكّ شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن، وقد عزّزت الحرب أخيراً نظرتها إلى إيران بوصفها مصدر تهديد، لكن هذه الدول، في المقابل، أصبحت ترى في طموحات إسرائيل العسكرية والأمنية أيضاً تهديداً جديداً، وقد بدأت عديد من هذه الدول تتجه إلى تنويع شراكاتها الأمنية والعسكرية مع دول أخرى.
إذا كان مقال هيلر يناقش منظور الخليج للمرحلة المقبلة، أو اليوم التالي للحرب الراهنة، فإنّ هنالك سؤالاً يتجاوز هذا النقاش، وقد طرحه في أكثر من مقال أستاذ العلوم السياسية، ناثان براون، في مقالتين عن الحرب على غزّة والحرب الراهنة، وفحواه فيما إذا كان هنالك أصلاً يوم آخر أم أننا دخلنا في مرحلة يمكن أن نطلق عليها الحروب والصراعات غير المنتهية، وحالة من الغموض وعدم الاستقرار المستمر التي قد تطول في هذه المنطقة، نتيجة سياسات إدارة الرئيس ترامب، الذي أثبت أنه لا يمتلك رؤية استراتيجية ولا تصورات مدروسة معمّقة حول المنطقة وأزماتها وإشكالاتها، وكشفت الحرب الإيرانية الحالية حجم التوريطة التي دخل فيها وأدخل معه أميركا بل العالم فيها في هذه المنطقة. وبالطبع، دول المنطقة وشعوبها هي المتضرّر الرئيس من هذا كلّه.
ثمّة أسئلة كبيرة اليوم بشأن نهاية الحرب الحالية مع الفخّ الذي وقع فيه الجميع؛ فالإيرانيون أبعد ما يكونون عن الاستسلام، الذي طالما بشّر به أو توهّمه الرئيس ترامب، وقدرته على تأمين هرمز محل شك، وحتى في حال نجحت المفاوضات الحالية، لن تؤدي إلى الاستقرار، ربما إلى نهاية الحرب، لكن مع بقاء الصراع على قواعد النظام الإقليمي الجديد، بخاصة مع دخول لاعبين جدد، مثل باكستان وتركيا يمثلون منافساً رئيساً لنظرية ترامب ونتنياهو بشأن الشرق الأوسط الجديد ومستقبل المنطقة، ومع بقاء مستويات التوتر عالية في الأوضاع الأمنية والاستراتيجية في المنطقة.
أكثر من هذا، يزداد سؤال القضية الفلسطينية، التي تشكل مصدراً رئيساً من مصادر عدم الاستقرار الإقليمي، إلحاحاً في المرحلة الراهنة ومرشّح للتصاعد في الفترة القادمة مع السياسات اليمينية الإسرائيلية، والحرب الصامتة التي تجري حالياً في الضفة الغربية ضد الفلسطينيين وحقوقهم، وما قد يؤدّي إليه ملف القدس والمقدسات من تأجيج للصراع، الأمر الذي طالما استهان به ترامب وقلّل من شأنه، كما أنّ المؤشّرات الراهنة حول “مجلس السلام” الذي أعلنه ترامب أنّه في حالة “موت سريري” والأوضاع في غزّة تزداد سوءاً، مع وجود مخطّطات إسرائيلية – أميركية، ما تزال برسم التنفيذ، لتقسيم غزّة والتهجير والقضاء الكامل على حركة حماس، وهو ما لن يؤدّي إلا إلى مزيد من الصراع والأزمات.
في ضوء ذلك كلّه، يظهر الفشل الذريع في مفهوم “السلام بالقوة”؛ والمعنى الضمني له، شرق أوسطياً، الاتفاقيات الإبراهيمية وهيمنة إسرائيلية بعد القضاء على الأطراف المعارضة لذلك، وإجبار المترددين والرافضين على الدخول في هذا النظام، وإذا كان ترامب قد جلب شيئاً إلى المنطقة فهو تفجير الصراعات وتعزيز الأزمات وغياب الأفق السياسي الواضح للمرحلة المقبلة في ضوء الواقع الراهن.


























