تبدو سورية اليوم أقلّ شبهاً بساحةِ حرب مفتوحة، وأكثر اقتراباً من فضاء رمادي كثيف، تُعاد فيه صياغة الدولة على مهلٍ ثقيل فوق طبقات متراكمة من الخراب والتسويات والهشاشة الهيكلية. فالزمن هنا لم يعد زمن الانفجار الكبير، بل زمن الانزلاق البطيء داخل مسار معقّد تتبدّل فيه أشكال السلطة، وتتشابك فيه علاقاتها بالإقليم وبالعالم، من دون أن يذوب أثر السنوات الماضية في خلفية المشهد، ولهذا يصعب تحديد لحظة فاصلة لبداية مرحلة جديدة، بقدر ما يمكن رصد تحوّلات صغيرة ومتدرّجة تدفع البلاد من منطق “الدولة/ الأزمة” إلى منطق “الدولة/ الوظيفة”، نمطاً سياسياً يُعاد فيه تعريف الدولة لا بوصفها كياناً يحتكر السيادة أو يحسمها، بل منصّةً وظيفيةً داخل بيئة إقليمية أوسع؛ تقوم على إدارة التوازنات، وتنظيم التدفّقات، والحفاظ على حدّ أدنى من القدرة التشغيلية للمؤسّسات الحيوية.
يشهد المجال الإنساني تغيراً لا يقلّ عمقاً، مع عدم تجديد أحد أبرز مسارات إيصال المساعدات عبر الحدود التركية – السورية في إطار تفويض الأمم المتحدة
في هذا السياق، لم تعد السياسة تُدار بصفتها صراعاً نحو حسم نهائي، بل عملية تموضع مستمرّة داخل شبكة توازنات متحرّكة، فسورية المُستنزَفة لم تعد تمتلك هامش إنتاج السيادة التقليدية، بقدر ما تسعى إلى تأمين شروط البقاء ومنع الانهيار الكامل. ومن هنا، تتراجع فكرة السيطرة الصلبة لصالح أشكال أكثر مرونة في إدارة المجالات الفاعلة في البلاد، فتصبح القدرة على الحفاظ على الحدّ الأدنى من الاستقرار من دون الانزلاق إلى الفراغ أو التحوّل إلى عبء جيوسياسي أهمّ بكثير من القدرة على فرض نموذجٍ مكتمل للسلطة.
على المستوى الاقتصادي، تزايدت أخيراً الإشارات إلى إعادة فتح بعض المعابر البرّية بين سورية والعراق، ورفع مستوى الحركة التجارية عبرها، لا سيّما معبر القائم – البوكمال الذي أُعيد تشغيله بشكل متقطع لتسهيل عبور البضائع، في خطوة أوردتها تغطيات “رويترز” على أنها مؤشّر على استئناف أوسع للتجارة البرّية بين الجانبين. إلى جانب هذا، طُرحت مقترحات لممرّات لوجستية محتملة تربط الداخل العراقي بالموانئ السورية على المتوسط. ويُنظر إلى هذه التطوّرات باعتبارها مؤشّراً على إعادة التفكير في الموقع الجغرافي لسورية داخل الإقليم، حلقة محتملة في شبكات التجارة والطاقة لا مجرّد فضاء مغلق ومنبوذ، غير أنّ هذا التحوّل لا يزال في مستوى النقاشات والمشاريع المطروحة أكثر منه بنيةً مكتملةً، حيث يجري التعامل مع الجغرافيا السورية تدريجياً مساحةَ ربط داخل منظومة تدفّقات إقليمية أشمل.
ولا يمكن قراءة هذا التحوّل بمنطق الاقتصاد التقليدي وحده، بل ضمن مقاربة الاقتصاد السياسي التي ترى أنّ الدول لم تعد كيانات منعزلة، بل نقاط ارتكاز داخل شبكات النقل والطاقة والتبادل التجاري. ووفقاً لهذا التصوّر، تُقاس القيمة السياسية للدولة بمدى الاتصال بهذه الشبكات لا بالانفصال عنها. بناء عليه، تنتقل السياسة تجاه سورية تباعاً من ذهنية “الحدود المغلقة” إلى استراتيجية “الوظائف المفتوحة”، لتدخل مرحلة لا يقين، وتغدو في الآن ذاته عقدة تشغيل داخل نظام براغماتي عالمي يعيد توزيع توازنات القوة.
وفي موازاة ذلك، يشهد المجال الإنساني تغيراً لا يقلّ عمقاً، مع عدم تجديد أحد أبرز مسارات إيصال المساعدات عبر الحدود التركية – السورية في إطار تفويض الأمم المتحدة، وهو المسار الذي شكّل لسنوات العمود الفقري للاستجابة الإنسانية في شمال سورية، وفق معطيات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). غير أنّ هذا التطوّر لا يقتصر على أنّه إجراء تقني، بل يعكس تحوّلاً في فلسفة إدارة الملفّ الإنساني، من نموذج قائم على الاستثناء العابر للحدود إلى نموذج يميل نحو إعادة دمج الإغاثة ضمن أطر أكثر مركزية ترتبط بفكرة الدولة ووظائفها.
وتتجاوز هذه المستجدّات مسألة تنظيم قنوات التوزيع إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنساني والسياسي، إذ لم يعد التركيز منصبّاً فقط على إدارة الاحتياجات بوصفها حالةً منفصلةً، بل على كيفية إدماج الملفّ الإنساني داخل بنية أكثر انتظاماً، وإن كانت لا تزال في طور التشكّل، وبهذا يتحوّل العمل الإنساني، رويداً رويداً، من مساحة استثنائية مستقلّة إلى جزء من إعادة ترتيب المجال العام نفسه، بما ينعكس مباشرة على أنماط الوصول وتوزيع الخدمات.
فعلياً، يحمل هذا التحوّل في داخله مفارقة واضحة؛ فمن جهة يُنظر إليه بوصفه خطوة نحو تجاوز منطق “الإدارة المؤقّتة” الذي ساد العقد الماضي، ومن جهة أخرى يثير مخاوف تتعلّق بتفاوت الوصول الإنساني، وإعادة إنتاج الفوارق بين المناطق، في ظلّ تآكل البنى الخدمية، وتفاوت القدرات المحلّية، وهكذا لم يعد السؤال الإنساني تقنياً يتعلّق بكيفية إيصال المساعدات، بل أصبح سؤالاً سياسياً يرتبط بمن يملك القدرة على تحويل السلطة من مجرّد سيطرة سياسية إلى قدرة فعلية على إنتاج انتظام اجتماعي قابل للاستمرار.
على المستوى الأمني، وبحسب تقارير ميدانية متقاطعة، تستمرّ حوادث منخفضة الحدّة في مناطق عدّة، من دون أن تتطوّر إلى مواجهات واسعة أو تتلاشى كلياً. ويعكس ذلك انتقالاً في بنية الصراع من مواجهة مركزية إلى شبكة من التوتّرات الموضعية القابلة للاحتواء أكثر من الحسم. على هذا الصعيد، تصبح الجغرافيا أكثر سيولةً وتشابكاً، مع تداخل الأمني والاجتماعي والإعلامي، خصوصاً في مناطق حساسة كالساحل السوري. وهنا لا يعود الحدث المحلّي المحموم مجرّد واقعة ميدانية مارقة، بل مادّةً قابلةً لإعادة التفسير والتأويل، تلعب فيها وسائل الإعلام ومنصّات التواصل دوراً في تشكيل دلالاته وتوجيه أثره، على نحوٍ ينسجم مع رؤية عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، القائلة إنّ السلطة لا تُمارس فقط عبر أدوات السيطرة المباشرة، بل عبر إنتاج المعاني والتصنيفات التي تُبنى عليها قراءة الرأي العام وتشكيل وعيه.
لا تقتصر ملفّات العدالة الانتقالية على بُعدها القضائي، بل تفتح سؤال الذاكرة السياسية
في المقابل، عاد ملفّ العدالة الانتقالية إلى الواجهة، بوصفه أحد أهمّ اختبارات المرحلة السورية حساسيةً، مع إعادة تداول قضايا مرتبطة بشخصيات أمنية سابقة، من بينها عاطف نجيب، المرتبط بأحداث درعا عام 2011، وأمجد يوسف المرتبط اسمه بمجزرة التضامن، وفق تقارير إعلامية وحقوقية دولية موثّقة، غير أنّ هذه الملفّات الشائكة لا تقتصر على بُعدها القضائي، بل تفتح سؤال الذاكرة السياسية، وإعادة تعريف العلاقة مع الماضي. فالعدالة الانتقالية، وفق أدبيات الباحثة الأميركية، رُوتي تايتل، لا تُختزل في المساءلة، بل تشمل إعادة بناء السردية العامة، وتحديد موقع الضحايا والفاعلين في الذاكرة الجماعية. ومن هنا يظهر انقسام واضح بين مقاربةٍ ترى في هذه المسارات مدخلاً ضرورياً لاستعادة الثقة المؤسّسية، وأخرى تعتبرها خطوات غير مكتملة قد تعيد إنتاج الانقسام بدل تجاوزه، ما يبقي سؤال العدالة مفتوحاً على تعقيداته البنيوية في ظلّ غياب توافق سياسي جامع حول آليات الانتقال.
صفوة القول، في ضوء هذا التداخل بين الاقتصاد والإنسانية والأمن والسياسة، لا ينتقل المشهد السوري في مسار تصاعدي منتظم بل يبدو وكأنّ البنى القديمة والجديدة تتناغم فيه بشكل غريب. وما يجعل اللحظة السورية الراهنة مختلفة ليس بسبب الوقوع في منعطف حاسم، بل لاستمرار غياب نقطة التحوّل الفاصلة. فالتاريخ، عند المفكّر الألماني والتر بنيامين، “لا يتقدّم مساراً خطّياً، بل يتكوّن ركاماً، تُعيد العواصفُ تشكيله من دون أن تمحوه”. وسورية اليوم تبدو أقرب إلى هذا الركام الممتدّ: حركة بطيئة لكنّها فعّالة في إعادة تعريف معنى الدولة نفسها، بوصفها مشروعاً مستمرّاً لإعادة الصياغة داخل إقليم متغيّر لم تتضح ملامحه النهائية بعد.
- العربي الجديد


























