تصاعدت حالة الاستياء في عدد من المناطق السورية، بعد إعلان السعر الرسمي لشراء القمح من المزارعين (راجع “المدن”)، ما دفع عشرات الفلاحين في الرقة ودير الزور ودرعا إلى تنفيذ وقفات احتجاجية للمطالبة برفع التسعيرة بما يتناسب مع تكاليف الإنتاج المرتفعة، وسط تحذيرات من تراجع كميات القمح المسلّمة للدولة هذا الموسم، في واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة للأمن الغذائي في البلاد.
القمح يفجّر غضب المزارعين
وفي مدينة الرقة، تجمع محتجون عند دوار النعيم وأغلقوا الطريق لفترة مؤقتة، معتبرين أن السعر المحدد لا يعكس الأعباء التي تحملها المزارعون خلال الموسم، ولا سيما أسعار المحروقات والأسمدة وأجور النقل والحصاد. كما شهدت مناطق في ريف دير الزور تحركات مماثلة رفضاً لسعر الطن البالغ 46 ألف ليرة سورية جديدة.
وفي الجنوب السوري، دعا اتحاد فلاحي درعا إلى إعادة النظر بالتسعيرة الحالية، مشيراً إلى أن الفلاحين تكبدوا نفقات كبيرة منذ بداية الموسم الزراعي، تشمل تكاليف البذار والحراثة والتسميد والمكافحة الزراعية، إضافة إلى أجور الحصاد والنقل.
لكن الاعتراضات الأوسع جاءت من محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، التي تُعد السلة الغذائية الأهم للقمح في سوريا، وتنتج أكثر من نصف محصول البلاد. ويخشى مزارعون من أن يؤدي استمرار التسعيرة الحالية إلى عزوف عدد كبير منهم عن التسليم للمؤسسة السورية للحبوب، أو الاتجاه نحو بيع المحصول للتجار أو تخزينه بانتظار ارتفاع الأسعار.
عبد الله الحادي، وهو مزارع من دير الزور، قال لـ”المدن” إن السعر المعلن “غير مناسب للفلاح”، مؤكداً أن عدداً كبيراً من المزارعين اتخذوا قراراً بعدم توريد القمح للدولة إذا بقي السعر على حاله. وأضاف: “ممكن نخلي القمح علف للأغنام ونعيش من منتجات أغنامنا ولا نرضى بهذا السعر غير العادل“.
وطالب الحادي برفع سعر شراء القمح إلى ما لا يقل عن 600 دولار للطن، إلى جانب تقديم دعم مباشر للقطاع الزراعي عبر تأمين الأسمدة والمبيدات والمازوت بأسعار مدعومة، معتبراً أن استمرار الزراعة بات مهدداً في ظل ارتفاع التكاليف وتراجع العائد.
بدوره، وصف المزارع حسن الجاسم القرار بأنه “غير مناسب أبداً”، مشيراً لـ”المدن” إلى أن مستلزمات الإنتاج ارتفعت بشكل كبير هذا العام. وقال إن “المازوت غالٍ والسماد غالٍ وحتى أجور الحصادات لا تقل عن 100 دولار”، مضيفاً أن الدولة مطالبة بإعادة النظر بالسعر قبل بدء عمليات التسليم.
وأكد الجاسم أن الخسائر التي يتكبدها الفلاحون كبيرة، موضحاً أن بعض المزارعين “يخسرون نحو مليوني ليرة في الطن الواحد” نتيجة ارتفاع تكاليف الزراعة والري. وأشار إلى أن كيس سماد اليوريا وصل سعره إلى نحو 5500 ليرة سورية جديدة ما يعادل 45 دولار أمريكي، فيما تبلغ تكلفة الرية الواحدة قرابة 100 ألف، مضيفاً: “نحن ندفع تكاليف السقاية سلفاً سواء هطل المطر أم لم يهطل، والدونم الواحد يكلف حوالى 100 ألف ليرة“.
احتجاجات ضد تسعيرة القمح
ويرى المزارع محسن عبد اللطيف أن المفارقة الأبرز تكمن في أن وزارة الاقتصاد نفسها حدّدت سعر بيع بذار القمح للمزارعين للموسم الزراعي 2025-2026 عند 500 دولار للطن الواحد، بينما حددت سعر شراء محصول القمح بأقل من ذلك بكثير. وقال لـ”المدن”: إن ثمن البذار وحده أعلى من سعر شراء المحصول، وقبل أن نتحدث عن السماد والري والحصاد والنقل واليد العاملة. وأضاف: “أي منطق اقتصادي يجعل الدولة تبيع البذار للفلاح بسعر 500 دولار، ثم تشتري منه الإنتاج النهائي بسعر يقارب 333 دولاراً فقط؟“
وشرح عبد اللطيف تفاصيل التكلفة الزراعية للدونم الواحد، موضحاً أن حراثة الأرض تكلف نحو 15 دولاراً، والسماد 55 دولاراً، والبذار 25 دولاراً، وأجور الحصادة 15 دولاراً، ونقل المحصول 30 دولاراً، والأكياس 30 دولاراً، والتحميل 40 دولاراً، من دون احتساب تكاليف الري والمحروقات والخسائر الناتجة عن تقلبات الطقس.
واعتبر أن هذه المعادلة “غير عادلة إطلاقاً”، خصوصاً أن الفلاح يتحمل كامل المخاطر المرتبطة بالموسم الزراعي، من تقلبات الطقس إلى ارتفاع أسعار الوقود والأعطال الفنية ونقص الدعم. وأشار إلى أن كثيراً من المزارعين اضطروا هذا العام إلى الاستدانة لتأمين مستلزمات الزراعة، مضيفاً أن التسعيرة الحالية ستجعلهم عاجزين عن تسديد الديون أو التحضير للموسم المقبل.
أزمة القمح تتصاعد شرقاً
وفي ظل اتساع رقعة الاعتراضات في المحافظات الزراعية الرئيسية، بدأ الجدل يتجاوز مطالب الفلاحين الفردية ليصل إلى المنظمات والاتحادات الزراعية، التي حذّرت بدورها من تداعيات استمرار التسعيرة الحالية على الأمن الغذائي وكميات القمح المسلّمة للدولة خلال الموسم الحالي. ويرى معنيون بالقطاع الزراعي أن الحفاظ على المحصول الاستراتيجي يتطلب إجراءات سريعة تشمل إعادة النظر بالسعر وتأمين مستلزمات الإنتاج والدفع السريع للفلاحين.
وفي هذا السياق، قال عضو اتحاد الفلاحين في سوريا محمد الخليف، إن التسعيرة التي صدرت من قبل الدولة لمحصول القمح “شكّلت حالة استياء كبيرة لدى الفلاحين، كونها لا تتناسب مع تكاليف الإنتاج المرتفعة، سواء للبذار أو الأسمدة أو المبيدات الزراعية التي يتحملها الفلاح“.
وأضاف لـ”المدن”، أن الموسم الحالي “يبشّر بالخير من حيث الجودة والإنتاج، بما ينعكس بالنفع على الفلاح والدولة، ولا سيما أن سوريا تُعد منطقة زراعية مهمة، خصوصاً في إنتاج القمح والشعير”، مشدداً على ضرورة دعم استمرار الزراعات وتنفيذ الخطة الزراعية السنوية.
وطالب الخليف بإعادة النظر في التسعيرة المعلنة “حرصاً على تسليم كامل الإنتاج للدولة”، إلى جانب تأمين المبالغ المطلوبة لصرف قيم الحبوب بأسرع وقت “كي لا يضطر الفلاحون للبيع للتجار“.
كما دعا إلى تأمين وسائل النقل من مواقع الإنتاج إلى مراكز الحبوب، وتوفير سيارات إطفاء في مراكز الإنتاج، إضافة إلى تقديم التسهيلات اللازمة لنقل الحبوب وتسويقها.
وفيما يتعلق بإمكانية بيع القمح إلى “قسد”، قال الخليف إن الصورة “لم تتضح بعد”، لكنه أشار إلى أن استمرار السعر الحالي قد يدفع عدداً كبيراً من المنتجين إلى الامتناع عن التسليم للمؤسسة السورية للحبوب إذا لم تتم مراجعة السعر أو تقديم حوافز إضافية، مثل تسريع عمليات الدفع أو تخفيض تكاليف النقل.
المخزون الاستراتيجي
وتأتي هذه الاعتراضات في وقت تتوقع فيه وزارة الزراعة السورية أن يتراوح إنتاج القمح هذا الموسم بين 2.3 و2.5 مليون طن، وهو رقم يقل عن الهدف المحدد في الخطة الزراعية الرسمية البالغ 2.8 مليون طن، لكنه يُعد أفضل من إنتاج الموسم الماضي.
وبحسب بيانات وزارة الزراعة، زُرع فعلياً نحو 1.268 مليون هكتار من أصل 1.4 مليون هكتار مخططة، بنسبة تنفيذ بلغت 86 في المئة، فيما تركزت أكثر من 55 في المئة من المساحات المزروعة في الشمال الشرقي السوري، حيث يُتوقع إنتاج نحو 1.6 مليون طن هذا الموسم.
ويقدّر المخزون الاستراتيجي الحالي من القمح بنحو مليون طن، أي ما يكفي لاستهلاك خمسة إلى ستة أشهر فقط، وفق تقديرات المؤسسة السورية للحبوب. ومع تقدير الاستهلاك السنوي بين 2.5 و4 ملايين طن، فإن أي تراجع في كميات القمح المسلّمة محلياً قد يدفع البلاد إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد، بكلفة قد تتجاوز 560 مليون دولار وفق الأسعار العالمية الحالية.
وفي محاولة لاحتواء التوتر، زار مسؤولون محليون مواقع الاحتجاج في الرقة، فيما عقد وفد من المحتجين اجتماعاً مع مسؤولين في محافظة دير الزور لبحث إمكانية تعديل السعر أو تقديم حلول تخفف الأعباء عن المنتجين.
وكانت وزارة الاقتصاد والصناعة قد حددت يوم أمس سعر شراء القمح القاسي من الدرجة الأولى بـ46 ألف ليرة سورية جديدة للطن ضمن موسم 2026، مؤكدة أن التعليمات التنفيذية الخاصة بعمليات الاستلام ستصدر لاحقاً.
- المدن























