تحوّل الجنوب السوري إلى ميدان للتوغل والاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة، في ظل “صمت” من دمشق يُفسّر على اتجاهين: الأول أن كفة المعادلة العسكرية تميل لصالح إسرائيل في أي نزاع، والثاني حرص على عدم التصعيد في ظل تحديات جمّة تواجه البلاد. وزادت عمليات التوغل الإسرائيلي في الجنوب خلال الأيام القليلة الفائتة والتي وصلت الى حد استهداف الأراضي الزراعية بالقذائف كما حدث الاثنين في محيط قرية طرنجة بريف القنيطرة الشمالي بثلاث قذائف، وهو ما أثار مخاوف السكان من حرمانهم من محاصيلهم التي يعتمدون عليها في معاشهم.
ورصدت شبكات إخبارية منها “تجمع أحرار حوران”، الاثنين استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي للسهول الزراعية في وادي الرقاد بالقرب من قرية جملة في منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي، بعد توغل دبابتَين وعدد من السيارات العسكرية إلى بداية طريق الوادي قادمة من بوابة تل أبو الغيثار، كما استهدفت قوات الاحتلال المتمركزة في تل أحمر غربي، منطقة تل أحمر شرقي ومحيطها بالقنابل والأسلحة الرشاشة، بحسب شبكات إخبارية محلية أشارت كذلك إلى أن دورية تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، مؤلفة من سيارتَين عسكريتَين، توغلت الاثنين في الأراضي السوري وصولاً إلى الطريق الواصل بين قرية أوفانيا وبلدة خان أرنبة في ريف القنيطرة.
إلى ذلك، أكدت مصادر محلية في محافظة القنيطرة، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي استأنف الاثنين العمل فيما يُعرف بمشروع “سوفا 53″، في ريف القنيطرة الأوسط، لشق طريق في المنطقة العازلة التي كانت حددتها اتفاقية فك الاشتباك بين سورية وإسرائيل التي أطاحتها بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر من العام قبل الفائت. ويتضمن “سوفا 53” والذي بدأت تل أبيب العمل به في عام 2022 إنشاء طريق محصن بسواتر بعرض 8 كيلومترات، وإنشاء خنادق ونقاط مراقبة على طول المسار الممتد بمحاذاة الجولان السوري المحتل داخل المنطقة العازلة.
وجاءت هذه التطورات الميدانية المتلاحقة في جنوب سورية بعد أيام قليلة من تصريحات صحافية لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، على هامش أعمال “منتدى تنسيق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وسورية” في بروكسل، أن دمشق تريد التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل يضمن احترام سيادة الطرفين ويحافظ على الاستقرار، لكنها ترفض في المقابل أي مسار للتطبيع يُفرض بالقوة العسكرية أو عبر الضغوط السياسية. ولطالما أكدت دمشق رفضها أي اتفاق جديد مع إسرائيل يتضمن ترتيبات أمنية في الجنوب السوري، ولا يضمن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي السورية التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد بما فيها أعلى قمة في جبل الشيخ الاستراتيجي، بينما تؤكد تل أبيب أن وجودها خارج المنطقة العازلة سيّما في جبل الشيخ لن يزول في المدى المنظور، متذرعة بمخاطر على أمنها تثبت الوقائع بطلانها.
وتدرك الإدارة السورية الجديدة أن التصعيد مع الجانب الإسرائيلي ولا سيّما عسكرياً لن يكون مفيداً في ظل التفوق الإسرائيلي على هذا الصعيد، فتل أبيب التي دمّرت مقدرات الجيش السوري بشكل شبه كامل بعد سقوط نظام الأسد، تستغل الظروف الصعبة التي تمر بها سورية من أجل فرض وقائع أمنية جديدة.
ورغم ذلك، ما تزال دمشق تصر على أن أي اتفاق أمني جديد يعالج القلق الأمني لكلا الجانبين، يجب أن يكون أساسه اتفاقية فك الاشتباك الدولية التي ظلت حاكمة العلاقة السورية الإسرائيلية طيلة نصف قرن قبل ان تتذرع تل أبيب بالتغييرات العميقة التي حدثت في سورية من أجل إلغائها. ولا تبدو دمشق بصدد تقديم تنازلات تمس سيادتها على كامل الجغرافيا السورية ما قبل الثامن من ديسمبر من العام قبل الفائت، وتعوّل على ضغط أميركي من أجل وضع حد للاعتداءات الإسرائيلية التي لم تتوقف عند حدود التوغل في العمق وترهيب السكان، بل وصل الى حد التدخل مباشرةً في ملفات سورية منها الملف الدرزي الذي بات ورقة تفاوض وضغط في يد تل أبيب.
وفي هذا الصدد، توغل اللواء في جيش الاحتلال غسان عليان، وهو “منسق شؤون الدروز في سوريا ولبنان”، مطلع الشهر الجاري، على رأس قوّة عسكرية إلى الجنوب الغربي من سورية للمرة الثالثة، وحضر مأدبة غداء في قرية ريمة الدرزية الواقعة على سفوح جبل الشيخ في ريف دمشق. ولا يعزل الباحث الأمني رشيد حوراني الاعتداءات الإسرائيلية عن التطورات الإقليمية، مرجحاً أن ارتفاع حدتها في الآونة الأخيرة يعود إلى الموقف التي أعلنته الحكومة السورية ودعوتها الدول العربية إلى إنشاء غرفة عمليات واحدة تنسق العمل العسكري لمواجهة التهديدات في المنطقة.
وتابع حوراني خلال حديث مع “العربي الجديد”، أن “سورية ملتزمة بعدم اظهار أي نية عدائية لإسرائيل في ضوء تطور علاقاتها مع الغرب، وبالتالي تعويلها على هذا الأمر لمعالجة التوغلات الإسرائيلية”. وبرأيه، فإنّ “الفراغ الأمني والعسكري والواقع الاقتصادي للسكان، يدفع إسرائيل إلى زيادة تدخلها”، مضيفاً أن “وجود طرف محلي هو الشيخ حكمت الهجري في السويداء مناهض للدولة، ويصعّد باستمرار ضدّها يساعد إسرائيل في مواصلة الاعتداءات”، كما يعتقد حوراني أن الصمت السوري سيستمر “على المدى القريب والمتوسط”، مشيراً إلى أن دمشق تعوّل على المجتمع الدولي في إيقاف الاعتداءات الإسرائيلية، إلّا أنّ استمرار هذه الأعمال قد يدفع الحكومة السورية لمواجهة محدودة مع إسرائيل.
من جهته، رأى المحلل العسكري العميد مصطفى فرحات في حديث مع “العربي الجديد”، أنّ إسرائيل “تستغل المرحلة التي تمرّ بها سورية لإعادة تشكيل الواقع الأمني في الجنوب السوري بما يخدم مصالحها طويلة الأمد”، مضيفاً أنّ “هذه السياسة تندرج ضمن الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية التي تقوم على إنشاء مناطق عازلة، من بعد عملية طوفان الأقصى”. وتابع “إسرائيل لا تريد سورية دولة مستقرة وقوية في المنطقة، لذا تلجأ إلى خلق وقائع أمنية لفرض تسوية وفق شروط تل أبيب”.
كما يرى أنّ دمشق “تتبع سياسة النفس الطويل من خلال إعادة بناء الدولة وتعزيز الشرعية المحلية”، مضيفاً “دمشق حريصة على عدم الانجرار إلى مواجهة تخدم مصالح نتنياهو. ما يجري في جنوب سورية صراع بين مشروعَين، الأول؛ إسرائيلي يريد هذه المنطقة أن تظل رخوة، ومشروع الدولة السورية التي تريد بسط سيطرتها على كامل أرضها”. وفي المقابل، رأى الباحث السياسي محمد صبرا في حديث مع “العربي الجديد”، أن “هناك غياباً لاستراتيجية واضحة لدى الحكومة السورية في التعامل مع ملف الجنوب”، مضيفاً “هناك رهان كامل على الموقف الأميركي وعلى الوساطة التي يقوم بها توم براك للتوصل لاتفاق أمني مع إسرائيل”.
وأشار إلى ضرورة أن تتخذ الحكومة السورية خطوات لتعزيز الصمود البيئة المجتمعية، أبرزها توجيه المشاريع التنموية في المحافظات الجنوبية، وخطوات قانونية أخرى مثل ضرورة الإسراع بالمصادقة على اتفاقية روما المؤسسة لمحكمة الجنايات، وعدم إغفال العمل الدبلوماسي الإقليمي من خلال التواصل والتنسيق مع دول الإقليم لتشكيل قوة ضغط سياسية مشتركة مساندة للموقف السوري.
- العربي الجديد
























