في خطوة بدت متوقّعة ضمن التعديلات التي يجريها الرئيس السوريّ أحمد الشرع على مستوى الوزراء والمحافظين ومفاصل الإدارة العليا، خرج إلى العلن يوم 15 أيّار المرسوم رقم 99، القاضي بتعيين محمّد صفوت رسلان حاكماً لمصرف سوريا المركزيّ، بعد فترة قصيرة على تعيينه مديراً عامّاً لصندوق التنمية السوريّ.
اللافت أنّ المرسوم كان مؤرّخاً في 9 أيّار، أي قبل ستّة أيّام من إعلانه، وهو ما يوحي بأنّ الرئاسة احتاجت إلى وقت لترتيب الإجراء سياسيّاً وإداريّاً، وربّما لإبلاغ الحاكم السابق للمصرف المركزيّ، الدكتور عبدالقادر حصريّة، بقرار نقله إلى موقع جديد. يعزّز هذا الانطباع أنّ وزارة الخارجيّة السوريّة نشرت قرار تعيين حصريّة سفيراً للجمهوريّة العربيّة السوريّة في أوتاوا قبل تعميم مرسوم تعيين الحاكم الجديد، مع أنّ تعيين سفير في دولة ما يفترض أن يصدر بمرسوم رئاسيّ، لا بقرار من وزير الخارجيّة أو بإعلان صادر عن الوزارة.
في خطوة بدت متوقّعة ضمن التعديلات التي يجريها الرئيس السوريّ أحمد الشرع على مستوى الوزراء والمحافظين ومفاصل الإدارة العليا، خرج إلى العلن يوم 15 أيّار المرسوم رقم 99
خبرتان مختلفتان
من الناحية القانونيّة، لا يبدو أن هناك ما يمنع تعيين حصريّة سفيراً في كندا، فهو يحمل الجنسيّة السوريّة إضافة إلى الأميركيّة، ولديه إقامة دائمة في كندا، حيث تقيم عائلته. غير أنّ هذه الإقامة قد تجعل اعتماد أوراقه الدبلوماسيّة أكثر تعقيداً، لأنّ اتفاقيّة فيينا للعلاقات الدبلوماسيّة تضع قيوداً على حصانات الدبلوماسيّين المقيمين إقامة دائمة في الدولة المضيفة، ولا سيّما في الجوانب الجنائيّة والمدنيّة والإداريّة.
من هنا، قد يكون تأخّر إعلان تعيين الحاكم الجديد مرتبطاً بترتيبات بين الإدارة السوريّة والخارجيّة الكنديّة، أو بمحاولة ضبط التوقيت بين نقل حصريّة إلى أوتاوا وتعيين خلف له في دمشق. لم يسبق المرسومَ الرئاسيَّ، في العلن، مرسومٌ واضحٌ يعزل حصريّة من منصبه، ولم يشِر إليه صراحة في النصّ، على الرغم من أنّ الأصل أن تتمّ إقالة الحاكم السابق أوّلاً، ثمّ تعيين حاكم جديد خلفاً له.
يظهر في خلفيّة الرجلين تباين واضح في المسار والخبرة. يتمتّع حصريّة بتحصيل علميّ واسع، إذ درس في الجامعة الأميركيّة في بيروت، ونال الليسانس في الحقوق من جامعة دمشق، والبكالوريوس في علم الكمبيوتر من الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة. حصل على دكتوراه في التمويل من جامعة “درهام” البريطانيّة، وماجستير في القانون العامّ من كليّة “أوسغود” للحقوق في كندا.
أكمل حصريّة برامج تنفيذيّة متخصّصة في مؤسّسات مرموقة، بينها وارتون، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وكليّة كينيدي في هارفرد. على الرغم من هذا المسار الأكاديميّ والماليّ الواسع، تبدو خبرته العمليّة أقرب إلى التدقيق الماليّ والحوكمة والتنظيم أكثر من كونها خبرة مصرفيّة تقليديّة مباشرة.
أمّا محمّد صفوت رسلان فهو من مواليد عام 1981، ويحمل إجازة في الاقتصاد ضمن اختصاص المحاسبة من جامعة حلب، إضافة إلى دبلوم في الإدارة الاستراتيجيّة من جامعة لازارسكي في وارسو، وشهادات مهنيّة دوليّة في إدارة المشاريع. شغل منصب المدير العامّ لصندوق التنمية السوريّ قبل نقله إلى حاكميّة المصرف المركزيّ.
يُنظر إلى رسلان باعتباره من الشخصيّات القريبة من حازم الشرع شقيق الرئيس، وهو ما يضع تعيينه في سياق أوسع من اختيار إداريّ أو ماليّ. لا تتعلّق المسألة بالمؤهّلات فقط، بل وبإعادة توزيع الثقة داخل الحلقة الضيّقة المحيطة بالرئيس، وتعزيز حضور شخصيّات محسوبة على الدائرة الأقرب إلى مركز القرار.
اللافت أنّ المرسوم كان مؤرّخاً في 9 أيّار، أي قبل ستّة أيّام من إعلانه، وهو ما يوحي بأنّ الرئاسة احتاجت إلى وقت لترتيب الإجراء سياسيّاً وإداريّاً
تعديلات لم تكتمل
لكنّ التعديلات لم تقف عند المصرف المركزيّ، فإقالة وزير الزراعة السابق أمجد بدر وتعيين باسل حافظ السويدان بدلاً منه، ثمّ إقالة وزير الإعلام حمزة المصطفى واستبداله بخالد زعرور بدت خطوات يصعب فصلها عن سياق إعادة تشكيل السلطة وتوازناتها الداخليّة.
كان وزير الزراعة السابق من الطائفة الدرزيّة، وكان وجوده في الحكومة يحمل رسالة سياسيّة إلى محافظة السويداء، التي تعيش علاقة متوتّرة مع السلطة في دمشق. من هذه الزاوية، يمكن قراءة إقالته بوصفها تراجعاً عن إحدى الإشارات الرمزيّة التي أرسلتها السلطة سابقاً باتّجاه البيئة الدرزيّة.
أمّا إقالة وزير الإعلام حمزة المصطفى فهي مرتبطة بصراع داخل أجهزة الخطاب السياسيّ والإعلاميّ. لقد بدا أنّ جناح “العلاقات العامّة”، المحسوب على وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، تمكّن من إبعاده بعد سلسلة مواجهات داخليّة، كانت آخِرتها اعتراضه داخليّاً على تقرير نُشر على منصّة مموّلة حكوميّاً أثار استياءً واسعاً بسبب إساءته إلى الفلسطينيّين، في مخالفة واضحة لمدوّنة السلوك التي أطلقتها وزارة الإعلام نفسها.
بهذا المعنى، لا تبدو التعديلات الأخيرة عمليّة إداريّة لتحسين الأداء الحكوميّ، بل إعادة ترتيب لمراكز النفوذ داخل السلطة الجديدة. الإقالات والتعيينات والتأخّر في إعلان المراسيم وتداخل القرارات بين الرئاسة والخارجيّة ونقل شخصيّات من مواقع حسّاسة إلى مواقع دبلوماسيّة، كلّها مؤشّرات إلى أنّ آليّة اتّخاذ القرار لم تستقرّ بعد، وأنّ الدائرة المقرّبة من الرئيس أحمد الشرع تسعى إلى إحكام قبضتها على المواقع الحسّاسة، من الاقتصاد والمال إلى الإعلام والخطاب العامّ.
في بلد يواجه تحدّيات اقتصاديّة ونقديّة كبيرة، لا ينبغي أن يكون تعيين حاكم جديد للمصرف المركزيّ قرارَ ثقةٍ سياسيّة، بل جزء من رؤية واضحة للسياسة النقديّة وسعر الصرف وإدارة التعافي. لذلك لا يتعلّق السؤال بمن غادر ومن جاء، بل بما إذا كانت هذه التعديلات ستقود إلى مؤسّسات أكثر كفاءة واستقلاليّة أو إلى مزيد من تركيز السلطة داخل دائرة ضيّقة.
- أساس ميديا



























