العبارة الأبرز في موقف الهجري، كما تقول مصادر في السويداء لـ”أساس”، لم تكن شكره لإسرائيل فقط، بل تشديده على أنّه “متمسّك بمحاسبة حكومة دمشق الإرهابيّة وفق القانون الدوليّ”. بهذا المعنى، يحاول الهجري نقل القضيّة من خلاف محلّي إلى إطار أوسع: جرائم، محاسبة، مسؤوليّة، وضمانات. وهو ما يتقاطع مع قناعة في السويداء بأنّ الاعتذار لم يعُد كافياً، وأنّ العودة إلى ما قبل الأحداث مستحيلة.
من “دولة الباشان” إلى “ولاية الباشان”
لكنّ خلفيّة الكلام لا تنفصل عن ضغط داخليّ متزايد يتعرّض له الهجري نفسه. المواطنون يحتاجون إلى قضاء حاجاتهم اليوميّة، وإلى المعاملات والحركة والمؤسّسات، وكلّما ارتفع سقف “الأمر الواقع”، تقدّم السؤال العمليّ: من يدير؟ وبأيّ آليّات؟ وبأيّ اعتراف؟
من هنا يمكن فهم التحوّل من فكرة “دولة الباشان” إلى “ولاية الباشان”، بما يوحي بأنّ البحث لم يعُد محصوراً بالشعار، بل بصيغة إدارة قابلة للاستمرار. تؤكّد مصادر السويداء لـ”أساس” أنّ إقامة حكومة منفصلة باتت أمراً “لا رجعة فيه”. تضيف أنّ الهجري، بين ضغط الشارع وحسابات التفاوض، لم يعُد يرى هامشاً واسعاً.
الانفصال منفصل عن الواقع
في المقابل، تقدِّم دمشق رواية مختلفة. يقول مصدر في دمشق إنّ مطلب الهجري للانفصال “منفصل عن الواقع” لأنّ التوازنات الداخليّة والإقليميّة لا تسمح بانفصال السويداء عن سوريا. يؤكّد المصدر أنّ الحكومة تعمل على مبادرات مع السويداء لحلّ العِقد القائمة، وأنّ مشاريع تقسيم سوريا “لم تعُد على الطاولة”، وخصوصاً بعد معالجة ملفّ “قسد” ضمن مسار إعادة ترتيب العلاقة مع الدولة.
يؤكّد المصدر أنّ الحكومة تعمل على مبادرات مع السويداء لحلّ العِقد القائمة
يضيف المصدر أنّ الحكومة السوريّة “قامت بكلّ ما عليها”، وأنّها وافقت على ما جاء في لجنة تقصّي الحقائق، وبدأت بالمحاسبة، ويشير إلى وجود “شهداء سوريّين من البدو” في الجهة المقابلة، معتبراً أنّ ما جرى لا يمكن اختصاره برواية واحدة، وينفي المصدر اتّهام دمشق بفرض حصار على السويداء، مؤكّداً أنّ “الطرق مفتوحة”، وأنّ الكلام عن حصار حكوميّ “اتّهام باطل”.

تبدو النقطة الأهمّ في رواية دمشق أنّها لا ترى خطاب الهجري ممثّلاً للمزاج الدرزيّ العامّ. يؤكّد المصدر أنّ “دروز السويداء بغالبيّتهم لا يريدون الانفصال عن سوريا”. هنا تتّضح معركة الروايات: في السويداء من يقول إنّ الحكومة المنفصلة صارت أمراً لا عودة عنه، وفي دمشق من يعتبر أنّ هذا السقف لا يعبّر عن أغلبيّة الدروز.
اتّفاق عمّان: تسوية أم تقزيم؟
تربط مصادر السويداء توقيت التصعيد بمحاولة دمشق ترويج “خارطة طريق عمّان”، المعلنة في أيلول 2025 بعد اجتماعات ضمّت سوريا والأردن والولايات المتّحدة، باعتبارها إطاراً لمعالجة أزمة السويداء عبر ترتيبات تشمل تثبيت وقف النار، إعادة الخدمات، تأمين الطرق والمصالحة المحليّة. غير أنّ هذه المقاربة تثير رفضاً لأنّها تنقل الملفّ من قضيّة محاسبة وضمانات واعتراف بخصوصيّة الجبل، إلى بند ضمن ترتيبات جنوبيّة تمهّد لإعادة دمج المحافظة في مؤسّسات الدولة.
إسرائيل بين الحماية والاستثمار
يذهب مصدر دمشق أبعد في مقاربة البعد الإسرائيليّ، معتبراً أنّ إسرائيل “تستخدم وتستثمر ملفّ السويداء للضغط على الرئيس أحمد الشرع وفرض شروطها في الاتّفاقيّة الأمنيّة المقبلة”، لا انطلاقاً من حرص على السويداء أو أهلها. إسرائيل “لا يهمّها ما تتعرّض له السويداء”، مستدلّاً بما يصفه بإغلاق الممرّات، وبما يحصل مع دروز مجدل شمس، حيث يُفرض عليهم، وفق روايته، مشروع “المراوح لإنتاج الكهرباء” بالقوّة.
تؤكّد مصادر السويداء لـ”أساس” أنّ إقامة حكومة منفصلة باتت أمراً “لا رجعة فيه”
بهذا المعنى، لا ترى دمشق في خطاب الهجري مشروع حماية بقدر ما تراه ورقة في لحظة تفاوض إقليميّ حسّاسة. بينما يقدّم الهجري خطابه دفاعاً عن خصوصيّة السويداء وضماناتها، تقرؤه دمشق جزءاً من ضغط أوسع في ملفّ الجنوب والاتّفاقيّة الأمنيّة المقبلة.
منطقةٌ رماديّةٌ لا انفصالٌ كامل
بحسب مصدر أمنيّ، لا تبدو السويداء متّجهة إلى انفصال قانونيّ أو دوليّ لأنّ ذلك يحتاج إلى اعتراف وحدود ومؤسّسات وضمانات غير متوافرة. لكنّ العودة إلى ما قبل الأزمة تبدو شبه مستحيلة. لذلك يرجّح المصدر أن تتّجه السويداء نحو إدارة محلّيّة موسّعة، أو لامركزيّة تحت ضغط الهجري والشارع.
في هذه القراءة، لن تتعامل إسرائيل مع السويداء كقضيّة درزيّة معزولة، ولا كملفّ حماية فقط، بل كورقة ضغط على دمشق وعلى الشرع في الاتّفاق الأمنيّ المقبل: جبل الشيخ، الحدود، المنطقة العازلة، الجنوب، وعدم عودة الجيش السوريّ أو قوى مرتبطة بدمشق إلى نقاط حسّاسة. أمّا دمشق فستحاول احتواء الهجري لا كزعيم انفصاليّ فحسب، بل كطرف رفع السقف أكثر ممّا يمكن للنظام الجديد أن يتحمّل، لكنّها ستضطرّ إلى الاعتراف بأنّ السويداء لم تعُد تُدار بالطريقة القديمة.
في المحصّلة، لا تبدو المعركة ذاهبة إلى عنوان “الانفصال” أو “العودة إلى الدولة”، بل إلى تسوية أقلّ وضوحاً: إدارة محليّة موسّعة، ضمانات أمنيّة، حضور أقلّ لدمشق في التفاصيل اليوميّة، وبقاء السويداء جزءاً من سوريا على الورق، لا كما كانت في الواقع. هنا تصبح الكرة في ملعب الهجري: هل يحوّل السقف العالي إلى مكاسب قابلة للحياة أم يتحوّل الأمر الواقع إلى ورقة إسرائيلية تفاوض عليها على حساب السويداء؟
- أساس ميديا
























