في القمة التي ضمت أبو العبد وكبار المنظرين لرسم خارطة طريق لإعادة هيكلة النظام العالمي، سألت صاحبي: يا أبو العبد، لما كنا بالمدرسة درسنا بالجغرافيا أن الصين دولة من دول العالم الثالث، وقبل ما نتزوج أصبحت الصين تتربع مع أميركا على قمة العالم!؟
أبو العبد، وفي حركة بروتوكولية، عدّل وضعية “شحاطته”، وسحب نفساً من أركيلته، هكذا يفعل عندما يريد أن يدلي بكلام “مدوزن”، وقال: والله العظيم لوما إسرائيل والمؤامرات علينا، لكنا الآن نحكم الأرض. ثم تبحر واستعاد فخر الخلافة وفتح الأندلس و”نقفور كلب الروم”، مبرهناً أن حل كل مشاكلنا المستقبلية يبدأ باستعادة الماضي.
وكعادة نخبنا في الاختلاف الديمقراطي، عارضه المحلل الاستراتيجي أبو صبحي واضعاً الحق كله على الحكومات المتعاقبة، محملاً إياها مسؤولية كل شيء، بدءاً من ثقب الأوزون وصولاً إلى برودة فنجان القهوة. وبينما كان أبو صبحي يدلي بتحليله الذي سيهز العواصم، مرت بجوارنا حسناء شامية، يبدو أن والدتها توحمت بها على تفاحة وقمر في آن واحد، وهنا حدث التحول الأيديولوجي.
إذ ضرب العلامة “أبو محمود” يده على الطاولة ليعلن: مشكلتنا مو مشكلة كراسي.. مشكلتنا مشكلة معاصي! وقدم فوراً درساً شرعياً رفيع المستوى حول مهالك السفور والتبرج، واضعاً كل عبء تخلفنا على النساء، رغم أن فضيلته ألقى خطبته وهو يسترق النظر بطرف عينه على الفتاة حتى غابت عن الأنظار، وقد كنا نسانده في هذا “البحث البصري” من باب الفضول العلمي.
التاجر أبو راتب، وهو يهرش رأسه الذي قارب على الصلع من كثرة حسابات تذبذب أسعار الصرف، بادرنا بلطمة اقتصادية، فصرخ بوجهنا: “بلا أندلس بلا نقفور بلا حكي فاضي! أصل البلاء كلياتو من الصين وبضاعتها يلي برخص التراب، ضربوا سوق القماش بالبلد”، ثم التفت إلى أبو محمود وقال بخبرة تاجر: “يا تشكل آسي”، إذا النسوان بطلوا يتأنقوا، مين بدو يشتري الساتان والشيفون والمخمل؟
وبلغ النقاش ذروته حين تدخل أبو جلال، العائد من ألمانيا ليعلمنا “الآدمية”. نفض سيجارته على الأرض متجاهلاً بنوع من “السيادة” المنفضة القابعة أمامه، وحسم الجدل بنبرة فوقية قائلاً: “المشكلة بالجينات يا جماعة، لو عشتو ببرلين كنتو عرفتو النظام والتطور.. بعدين شو صين وما صين؟ هي فقاعة اقتصادية لا أكتر!، وأضاف بفخر: نحن الألمان سادة الصناعة والاقتصاد والانضباط.
وكان ممكناً أن يستمر هذا المخاض الفكري لولا رنين هاتف أبو محمود، وانطلق صوت زغرودة “أم محمود” عبر السماعة لتبشره: وصلت وصلت، وهي تقصد رسالة “الغاز المنتظر”.
وعلى مراحل، انسحب المنظرون ليلتحقوا بهمومهم، وبقيتُ وحيداً مع فنجاني وأفكاري، تصفحتُ بعض الإحصائيات على هاتفي لأرى أن الفقاعة الصينية في (الساعتين اللتين وضعنا فيهما أربع نظريات للنهضة)، كانت قد افتتحت عشرات المدارس والمستشفيات والجسور والمصانع، ووقعت حكومتها ثلاث اتفاقيات اقتصادية، وحاكمت محاكمها خمسة مسؤولين فاسدين، وفي ذات الساعتين، أنتجت مصانعهم: ربع مليون شاشة تلفزيونية، ومليون هاتف، وخمسة عشر ألف سيارة، وثمانية ملايين بطارية ليثيوم، وأنتجت اربعة ملايين حذاء، بعضها صنعت خصيصاً لدوزنة نقاشاتنا الاستراتيجية.
تأملتُ بقايا الفنجان والرماد الذي نفخ فيه أبو العبد أمجاد التاريخ، وعجبتُ كيف لساعتين فقط أن تكشفا عورة واقعنا! لو أنتجت بلادنا في شهرين ما تنتجه الصين في ساعتين، لغدونا نموذج نهضة تدرسها الجامعات ويناقشها بعض “المحللين الاستراتيجيين” بمقاهي العالم. لكننا آثرنا رمي أوزارنا على النساء و”كلاب الروم”، غارقين في جدل الشكليات والمحرمات، في وقتٍ تدّعي فيه عيوننا الورع وهي تسترق النظر إلى أجساد الفاتنات.
- الثورة السورية






















