المنهج الأوّل هو المنهج الأنغلوساكسونيّ الذي طوّره د. هنري كيسنجر في منهج المفاوضات السياسيّة القائم على سياسة الخطوة خطوة.
المنهج الثاني المضادّ هو المنهج الفارسيّ الطائفيّ المذهبيّ القائم على فكرة الصبر الاستراتيجيّ، من منظور أنّ الفكر الحسينيّ الاستشهاديّ سوف يؤدّي إلى أن يتغلّب الدم في النهاية على السيف.
المنهج الثالث الذي يتصارع مع الأوّل والثاني هو المنهج الذي يتبعه الرئيس دونالد ترامب، وهو منهج شخصانيّ غير مسيّس يتأثّر بخبرته العقاريّة القائمة على ممارسته الضغط الأعلى على الخصم بهدف الحصول على كلّ شيء في الصفقة وفق كامل شروطه.
بين الواقعيّة والفوضى
بالطبع، من البديهيّ والمنطقيّ أن يكون هناك تناقض بين المنهجين الأوّل والثاني، أي بين الأميركيّ والإيرانيّ، لكنّ ما سنحاول إبرازه وتحليله اليوم هو ذلك الصراع بين مدرستين أو منهجين يتبعان مدرسة واحدة في التفاوض السياسيّ، وهي مدرسة د. كيسنجر ومدرسة ترامب.
كان د. كيسنجر وزير خارجيّة بلاده في الفترة من 1973 إلى 1977، وأهميّته الكبرى أنّه دشّن سياسة عميقة في علم التفاوض السياسيّ في السياسة الخارجيّة الأميركيّة ظلّت حاكمة في سلوك الإدارة الأميركيّة، سواء كانت جمهوريّة أو ديمقراطيّة.

تعتمد سياسة كيسنجر الموغلة في الواقعيّة السياسيّة على رفض منهج الحلّ الشامل للقضايا والصراعات دفعة واحدة، وتعمد إلى تجزئة الحلول إلى مراحل وخطوات صغيرة، بحيث يؤدّي النجاح في كلّ خطوة إلى حالة ثقة تدفع إلى التالية.
نجح هذا المنهج الكيسنجريّ في فيتنام وفتح أبواب الصين، ونجح في الشرق الأوسط عبر فكّ الاشتباك ومعالجة أزمة قطع البترول.
يبدأ الصراع الحاليّ أوّلاً داخل مراكز صناعة القرار الأميركيّة، ثمّ ينتقل، نتيجة سلطة ترامب المطلقة حاليّاً، إلى التلاعب بقرارات الحرب والسلام
المنهج الترامبيّ هو حالة فوضويّة غير منظّمة بلا قواعد أكاديميّة، بل هو خبرات تفاوض عقاريّ لخّصها الرجل في كتابه “فنّ الصفقة” الصادر عام 1986.
يعتمد المنهج الترامبيّ، على خلاف المنهج الكيسنجريّ، على الآتي:
1- اطلب كلّ شيء من خصمك دفعة واحدة.
2- مارس أكبر قدر من الضغط العالي عليه.
3- إذا فشل هذا الضغط، فاستخدمه دليلاً على نجاحك وارجع إلى ممارسة ضغط أعلى من السابق.
4- ارفع من شأن عرضك التفاوضيّ وقلّل وسخّف من شروط وعروض خصمك.
إذاً نحن أمام منهجَين، منهج دكتور فذّ في العلوم السياسيّة، صاحب مدرسة نظريّة درست تاريخ السياسة من “مترنيخ” إلى هتلر، وصاحب تجربة عمليّة في وزارة الخارجيّة والبيت الأبيض والأمن القوميّ، مقابل منهج رجل عقاريّ تتلخّص خبرته في التهرّب من دفع الضرائب والاستفادة من إعلان إفلاسه ستّ مرّات وكسر منافسيه العقاريّين في السوق.
منهج كيسنجر له قواعد ونظريّة، ونتائجه العمليّة هي اجتراح الحلول من دون التوصّل إلى تسوية نهائيّة.
منهج ترامب لا أساس نظريّاً له، فوضويّ ومتناقض، سيؤدّي حكماً إلى نتائج مشوّهة وبعيدة عن أيّ حلول جزئيّة أو تسوية نهائيّة.
لا حلول صفريّة
يبدأ الصراع الحاليّ أوّلاً داخل مراكز صناعة القرار الأميركيّة، ثمّ ينتقل، نتيجة سلطة ترامب المطلقة حاليّاً، إلى التلاعب بقرارات الحرب والسلام وفي مصائر التجارة العالميّة وأسعار الطاقة وتوازنات الاقتصاد العالميّ.
بالمقابل، المستفيد الأوّل من ارتباك وتناقض المنهج الترامبيّ هو إيران التي تؤمن برفض كلّ شيء مقابل منهج ترامب الذي يريد الفوز بكلّ شيء.
منهج ترامب لا أساس نظريّاً له، فوضويّ ومتناقض، سيؤدّي حكماً إلى نتائج مشوّهة وبعيدة عن أيّ حلول جزئيّة أو تسوية نهائيّة
يحاول أصحاب منهج الواقعيّة السياسيّة في طهران وواشنطن إقناع ترامب والحرس الثوريّ بفشل سياسة الحلّ الصفريّ أو منهج كلّ شيء أو لا شيء.
يعتمد الفكر السياسيّ الإيرانيّ على الثقافة الوطنيّة المتراكمة من الثقافة العامّة الفارسيّة، التي يُبنى على أساسها عدّة أمثال شعبيّة عميقة في النفسيّة الإيرانيّة مثل: “الصبر مرّ لكنّ عاقبته حلوة”، فيما دونالد ترامب قليل الصبر، و”عدوّ عاقل خير من صديق جاهل”، وإيران لا ترى في ترامب أيّ تعقّل، “جامِل عدوّك حينما يأتي وقتك”، وهذا هو الصبر التكتيكيّ المؤدّي إلى الصبر الاستراتيجيّ.
إذا فهمنا ما سبق فقد يمكن تفسير إشكاليّات تأخّر وارتباك أيّ حلول ممكنة، وحتّى لو جاءت فستأتي متأخّرة ومشوّهة ولن تؤدّي إلى أيّ تسوية حقيقيّة.
- أساس ميديا























