تكشف نتائج الانتخابات في شمال شرقيّ سوريا عن تراجع رمزيّ لقوّات سوريا الديمقراطيّة “قسد” وحزب الاتّحاد الديمقراطيّ أمام حضور المجلس الوطنيّ الكرديّ، وخصوصاً في عين العرب/كوباني ذات الرمزيّة الكرديّة العالية. لم يتحوّل النفوذ العسكريّ والأمنيّ الذي راكمته “قسد” خلال سنوات الحرب إلى تفوّق انتخابيّ واضح، وهو ما يجعل النتائج أقرب إلى إعادة ترتيب للنفوذ الكرديّ والعشائريّ داخل مؤسّسات المرحلة الانتقاليّة.
في محافظة الحسكة، خُصّصت عشرة مقاعد توزّعت بين رأس العين والحسكة والقامشلي والمالكيّة. حصلت رأس العين على مقعد ذهب إلى مرشّح من “عرب الغمر”، بينما نالت منطقة الحسكة ثلاثة مقاعد فاز بها عمر الهايس من قبيلة الجبور، إبراهيم الحبش من قبيلة البكارة، وفصلة يوسف عن المجلس الوطنيّ الكرديّ. في القامشلي، فاز كيم حسين إبراهيم، وهو مستقلّ مقرّب من قائد “قسد” مظلوم عبدي، ورضوان عثمان سيدو عن المجلس الوطنيّ الكرديّ، وعبد الحليم خضر العليّ من قبيلة طيّ، ومحمود ماضي العليّ من عشيرة الشرابية. في المالكيّة، فاز أحمد عبدالله مراد، وهو مستقلّ مقرّب من مظلوم عبدي، والدكتور علوان عابد العليّ من عشيرة الجوالة. في عين العرب/كوباني، فاز شواخ العسّاف، وهو مرشّح عربيّ من بلدة الشيوخ، وفرهاد شاهين، المحسوب على المجلس الوطنيّ الكرديّ.
يعطي هذا التوزيع صورة ظاهريّة عن توازن عربيّ–كرديّ، مع حضور لمستقلّين، لكنّه لا يجيب عن السؤال الأهمّ: هل عبّرت الانتخابات عن إرادة الناخبين أم أنتجت عمليّة ضبط سياسيّ محسوب سلفاً؟ إلى ذلك لا يمنح نظام الدائرة الانتخابيّة المرشّحين الأكراد أفضليّة واضحة في مناطق عدّة، بسبب التداخل العربيّ–الكرديّ، وحصر الهيئة الناخبة ضمن نطاق محدّد.
تكشف نتائج الانتخابات في شمال شرقيّ سوريا عن تراجع رمزيّ لقوّات سوريا الديمقراطيّة “قسد” وحزب الاتّحاد الديمقراطيّ
كوباني وغويران
تبدو المفارقة أوضح في عين العرب/كوباني، المدينة الأشدّ رمزيّة في الذاكرة القتاليّة الكرديّة ضدّ داعش. على الرغم من هذه الرمزيّة، ذهب المقعد الكرديّ إلى فرهاد شاهين، المحسوب على المجلس الوطنيّ الكرديّ، لا إلى حزب الاتّحاد الديمقراطيّ، فبدت “قسد” وحزبها السياسيّ واقعة في هزيمة انتخابيّة رمزيّة داخل واحد من أبرز معاقلها المعنويّة.
أثار إخراج ناشط عربيّ معروف من حيّ غويران في الحسكة لمصلحة فصلة يوسف، مرشّحة المجلس الوطنيّ الكرديّ، أسئلة عن عدالة التمثيل. في غويران كتلة عربيّة مؤثّرة، وتهميش أحد وجوهها يعزّز الانطباع بأنّ النتائج جاءت وفق تفاهمات لا وفق منافسة مفتوحة.

يحمل فوز فصلة يوسف دلالات متعدّدة، فهي مرشّحة عن المجلس الوطنيّ الكرديّ، ومن المتوقّع أن تكون السيّدة الوحيدة الممثّلة للحسكة في مجلس الشعب. هذه الرمزيّة النسائيّة مهمّة، لكنّها لا تلغي الأسئلة عن توجيه الناخبين لدعمها. يأتي ذلك مع عزوف حزب الاتّحاد الديمقراطيّ عن انخراط جادّ في المشاركة البرلمانيّة، وتركيزه على المسارين الأمنيّ والعسكريّ، وخاصّة ملفّ دمج المقاتلات الكرديّات في وزارة الداخليّة بعد تعثّر خيار تشكيل لواء مستقلّ لهنّ ضمن فرقة الحسكة.
تمثيل غير مكتمل
يكشف غياب تمثيل واضح لعشيرتَي الجبور وشمر خللاً في قراءة الأوزان الاجتماعيّة. لم تظهر الجبور بما يتناسب مع ثقلها، وخصوصاً آل المسلط، الزعامة التقليديّة للقبيلة. أمّا شمر فدخلت الانتخابات بعد انقسام داخليّ بين الشيخ مانع بن حميدي والشيخ سيف الجربا، الذي نصّب نفسه شيخاً للقبيلة بدعم من السلطة السوريّة.
برز دور الشيخ سيف في تسهيل انضمام عدد من عناصر جيش الصناديد، الذين قاتلوا إلى جانب “قسد” ضدّ داعش، قبل تفكيكهم وضمّ قسم منهم إلى الفرقة 60 في الحسكة، بينما التحق آخرون بجهاز الأمن العامّ في المحافظة.
لا تبدو هذه الانتخابات تعبيراً كاملاً عن إرادة الناخبين بقدر ما تبدو محاولة لضبط التوازنات بين المكوّنات ومراكز النفوذ
يضعف خروج مرشّح المنظمة الآشوريّة صورة الشموليّة، فالمنطقة ليست عربيّة وكرديّة فقط، بل تضم سرياناً وآشوريّين ومكوّنات أخرى.
تزداد أهميّة هذه الأسئلة عند النظر إلى مجلس الشعب الجديد. يتولّى المجلس اقتراح القوانين وإقرارها، تعديل أو إلغاء القوانين السابقة، المصادقة على المعاهدات الدوليّة، إقرار الموازنة العامّة، والعفو العامّ. مع ذلك، تطرح طريقة تشكيله إشكاليّة واضحة، إذ يتألّف من مئتين وعشرة أعضاء، يُختار ثلثاهم عبر هيئات ناخبة، على أن يعيّن الرئيس أحمد الشرع الثلث الباقي، أي سبعين عضواً.
بحسب معلومات خاصّة، من المتوقّع تعويض المنظّمة الآشوريّة بمقعد من حصّة الرئيس، إلى جانب مقاعد أخرى يُرجّح أن يذهب أحدها إلى عبدالعزيز التمو، رئيس رابطة الكرد المستقلّين، وآخر إلى الشيخ سيف الجربا عن قبيلة شمر. أمّا المقعد الرابع فلا تزال وجهته غير محسومة، وسط ترجيحات أن يذهب إلى أحد أبناء الشيخ التاريخيّ لقبيلة الجبور عبدالعزيز المسلط، ومن بينهم الدكتور سالم المسلط، الرئيس السابق للائتلاف الوطنيّ المعارض.
في المحصّلة، لا تبدو هذه الانتخابات تعبيراً كاملاً عن إرادة الناخبين بقدر ما تبدو محاولة لضبط التوازنات بين المكوّنات ومراكز النفوذ. إذا لم يشعر العرب والكرد والسريان والآشوريّون والعشائر الكبرى بأنّهم شركاء فعليّون، فستبقى النتائج أقرب إلى هندسة سياسيّة منها إلى تمثيل راسخ.
- أساس ميديا






















