تبدو الأزمة الحالية اختبارًا مزدوجًا: فنيًا لإدارة السدود والمنشآت المائية، وسياسيًا لقدرة مؤسسات الدولة على الحضور في شرق سوريا بوصفه منطقة تحتاج إلى خدمات مستدامة.
بدأت مخاطر الموجة المائية في مجرى نهر الفرات بالتراجع تدريجيًا، بعد أيام من الاستنفار في محافظات شرق سوريا، ولا سيما دير الزور، حيث تسبب ارتفاع المنسوب بغمر أراضٍ زراعية، وتضرر قرابة 70 محطة ضخ لمياه الشرب، وتأثر نحو 2400 عائلة، وسط مخاوف من اتساع الأضرار إلى منشآت خدمية إضافية على ضفتي النهر.
ورغم نفي السلطات السورية وجود فيضان بالمعنى الكارثي، فإن ما شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية لم يكن مجرد ارتفاع عابر في منسوب المياه، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة البنية التحتية المحلية على التعامل مع تغيرات مفاجئة في الوارد المائي، بعد سنوات طويلة من الحرب، وتراجع الصيانة، وتراكم التعديات على مجرى النهر وحرمِه.
وتكشف الأزمة أن الخطر لم يكن في كمية المياه وحدها، بل في هشاشة البيئة التي استقبلتها؛ من جسور متهالكة، ومحطات مياه قريبة من سرير النهر، وطرق ترابية عشوائية أعاقت مرور المياه، وصولًا إلى ضعف التنسيق المسبق في إدارة الوارد المائي القادم من تركيا.
خفض تدريجي للمفيض
عصر الجمعة، بدأت إدارة سد الفرات تخفيض كميات المياه الممررة عبر المفيض، في خطوة عكست تراجع حدة الموجة المائية التي شهدها النهر خلال الأيام الماضية.
وبحسب معلومات حصلت عليها «القدس العربي»، فإن الورش الفنية باشرت إغلاق البوابة الثالثة للمفيض، أعلى جسم السد، بشكل تدريجي، ما أدى إلى تقليل كمية المياه الممررة بمقدار 100 متر مكعب في الثانية، وسط مراقبة مستمرة لمستويات المياه والتصريف.
وكان المهندس هيثم بكور، مدير المؤسسة العامة لسد الفرات، قد أعلن أن الموجة المائية بلغت نحو 2000 متر مكعب في الثانية، وهي أرقام مرتفعة مقارنة بالمعدلات المعتادة خلال السنوات الماضية، خصوصًا في ظل التراجع الكبير الذي شهده نهر الفرات نتيجة انخفاض الوارد المائي القادم من تركيا.
وأوضح بكور، في تصريحات رسمية، أن إدارة السد تعاملت مع الموجة بشكل «متناسق وتدريجي»، حيث جرى تمرير المياه عبر المفيض بمعدل وصل إلى 1800 متر مكعب في الثانية، قبل أن تتراجع الكميات لاحقًا إلى 1600 متر مكعب، مع توقعات بانخفاضها إلى 1500 متر مكعب، ثم استمرار التراجع تدريجيًا حتى انتهاء الموجة المتوقعة يوم الأحد.
وتحمل هذه الأرقام دلالة تتجاوز الجانب الفني؛ فهي تعكس حدثًا مائيًا استثنائيًا لم تشهده المنطقة منذ عقود، بحسب وصف بكور، الذي أكد أن الإطلاقات الحالية هي الأولى من نوعها منذ نحو 30 عامًا، نتيجة أمطار ربيعية متأخرة وغير متوقعة.
إنذار تركي متأخر
أحد العوامل التي زادت من تعقيد الأزمة، وفق المسؤولين السوريين، كان تأخر الإبلاغ التركي بزيادة الوارد المائي القادم عبر نهر الفرات، بسبب الأمطار المفاجئة والغزيرة.
وأشار مدير سد الفرات إلى أن الجانب التركي أبلغ السلطات السورية، في 22 أيار/مايو الجاري، بزيادة الوارد المائي، إلا أن الإنذار جاء متأخرًا نسبيًا بسبب الأمطار الغزيرة وغير المتوقعة التي شهدتها المنطقة.
وتعيد هذه النقطة فتح ملف التنسيق المائي بين دمشق وأنقرة، في ظل تاريخ طويل من الخلافات المرتبطة بحصص المياه وسدود الفرات. فعلى مدار السنوات الماضية، اشتكت السلطات السورية والعراقية مرارًا من انخفاض منسوب النهر نتيجة تقليص تركيا كميات المياه المتدفقة، ما تسبب بأزمات حادة في مياه الشرب والكهرباء والزراعة، خصوصًا في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة على الجانب السوري.
رغم الطبيعة الاستثنائية للموجة المائية، يؤكد مسؤولون محليون وفنيون أن جزءًا مهمًا من الأضرار كان يمكن تفاديه لولا التعديات الواسعة على حرم النهر ومجراه.
وحسب مدير المؤسسة العامة لسد الفرات، فإن الجسور الترابية المقامة بشكل عشوائي أعاقت مرور المياه، ما أدى إلى احتباسها وارتفاع المنسوب في عدد من المناطق.
وخلال سنوات الحرب، شهدت ضفاف الفرات عمليات ردم وتعديات متكررة لأغراض زراعية أو خدمية، إضافة إلى إنشاء سواتر ترابية وطرق غير مدروسة، ما غيّر جزئيًا طبيعة المجرى المائي في بعض المناطق.
ويقول مهندسون محليون إن النهر فقد جزءًا من قدرته الطبيعية على تصريف المياه بسلاسة، الأمر الذي جعل أي ارتفاع مفاجئ في المنسوب يتحول بسرعة إلى تهديد للمناطق القريبة. وهنا تظهر واحدة من أهم رسائل الأزمة: فالكارثة لا تصنعها المياه وحدها، بل تصنعها أيضًا التعديات التي تضيق مجرى النهر، وغياب الرقابة، وتأخر إزالة العوائق التي تحوّل الارتفاع الطبيعي أو الاستثنائي في المنسوب إلى تهديد مباشر للأهالي والبنية التحتية.
أزمة مياه شرب
واحدة من أخطر نتائج ارتفاع المنسوب تمثلت في تضرر محطات ضخ مياه الشرب المنتشرة على امتداد نهر الفرات.
وحسب المعطيات المتداولة رسميًا، تضررت قرابة 70 محطة ضخ، وهي محطات تؤمن المياه لمئات الآلاف من المدنيين، بدءًا من محافظة الرقة وصولًا إلى مدينة البوكمال في أقصى ريف دير الزور الشرقي.
وتثير هذه الأرقام مخاوف جدية من أزمة مياه قد تتوسع خلال الأيام المقبلة، خاصة مع اعتماد معظم تلك المناطق بشكل شبه كامل على مياه الفرات. إلا أن الإغلاق التدريجي لبوابات المفيض يخفف من احتمال غرق بقية محطات ضخ مياه الشرب، التي يصل عددها إلى نحو 175 محطة على امتداد جانبي النهر.
ويقول عاملون في القطاع الخدمي إن بعض المحطات تعرضت لأضرار مباشرة بسبب ارتفاع المياه، في حين خرجت أخرى عن الخدمة نتيجة انقطاع الطرق أو تعطل التغذية الكهربائية.
وتكشف هذه النقطة هشاشة التخطيط الخدمي في منطقة تعتمد على النهر كمصدر رئيسي للمياه، من دون وجود بدائل كافية أو أنظمة حماية فعالة لمحطات الضخ. فتعطل محطة واحدة قد يربك قرى وبلدات كاملة، أما تضرر عشرات المحطات فيحوّل الأزمة المائية إلى تهديد معيشي واسع.
لم تقتصر تداعيات الأزمة على القطاعين الخدمي والزراعي، بل امتدت إلى الجانب الإنساني والصحي بشكل واضح.
وقال وزير الصحة السوري مصعب العلي إن إغلاق بعض الجسور وانهيارها أدى عمليًا إلى فصل ضفتي الفرات، ما تسبب بصعوبات كبيرة أمام المرضى، خصوصًا سكان المناطق الشرقية، حيث تتركز أغلب المستشفيات الرئيسية في مدينة دير الزور غربي النهر، إضافة إلى أن أكبر مدن المحافظة، وهي الميادين والعشارة والبوكمال، تقع أيضًا على الضفة الغربية للنهر. وأوضح الوزير أن الحكومة فعّلت «كود الطوارئ الصحية»، وعملت على تعزيز الاستجابة الطبية وتأمين المستلزمات والأدوية للمشافي والمراكز الصحية.
كما أعلن عن تزويد مستشفيي أبو حمام والكسرة بأجهزة غسيل كلى، في محاولة لتخفيف الضغط عن المرضى الذين بات انتقالهم بين ضفتي النهر أكثر صعوبة.
وفي مؤشر على جدية الأزمة، قال العلي إنه قطع زيارة كان يجريها إلى ألمانيا وتوجه مباشرة إلى دير الزور عبر غازي عنتاب لمتابعة التطورات ميدانيًا.
نفي رسمي لوجود فيضان
في المقابل، سعى وزير الطوارئ والكوارث رائد الصالح إلى تهدئة المخاوف، مؤكدًا أن المياه ما تزال ضمن «المجرى الطبيعي» للنهر، ونافيًا وجود فيضان واسع بالمعنى التقليدي.
وأقر الصالح، خلال مؤتمر صحافي ظهر الجمعة، بتضرر نحو 2400 عائلة، مشيرًا إلى أن ارتفاع المنسوب في دير الزور كان أعلى من المناطق الأخرى.
كما حذر الأهالي من السباحة في النهر، موضحًا أن حالات الغرق المسجلة خلال الأيام الماضية كانت ناتجة عن السباحة والتيارات القوية الجديدة في سرير النهر، لا بسبب خروج المياه عن مجراها.
وأشار الصالح إلى أن غرف العمليات في دير الزور والرقة تعمل ضمن استجابة موحدة، مؤكدًا أن الإنذار المبكر جرى عبر عدة وسائل، بينها المساجد التي لعبت دورًا أساسيًا في تحذير السكان.
في خضم الأزمة، حملت زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى دير الزور أبعادًا تتجاوز الجانب الخدمي.
فالزيارة، التي شملت تفقد جسر السياسية واللقاء بوجهاء وقادة عسكريين وأمنيين، بدت محاولة لإظهار حضور الدولة في منطقة لطالما عانت من التهميش والتوترات الأمنية.
ووجّه الشرع خلال الزيارة بالبدء الفوري في ترميم جسر السياسية بعد عطلة عيد الأضحى، في خطوة تحمل بعدًا رمزيًا وعمليًا في آن واحد، نظرًا للأهمية الحيوية للجسر في ربط مناطق المحافظة وتخفيف عزلة بعض التجمعات السكانية.
كما ركزت اللقاءات على إزالة العوائق من مجرى النهر ودعم المتضررين، وهي ملفات ترتبط مباشرة بقدرة الحكومة على احتواء التداعيات الاجتماعية للأزمة.
وتبدو الأزمة الحالية اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا فنيًا لإدارة السدود والمنشآت المائية، وسياسيًا لقدرة مؤسسات الدولة على الحضور في شرق سوريا بوصفه منطقة تحتاج إلى خدمات مستدامة.
حتى مع التوقعات بانتهاء الموجة المائية خلال أيام، تبدو دير الزور مقبلة على مرحلة طويلة من المعالجة وإعادة التأهيل. فالخسائر الزراعية تحتاج إلى تعويضات ودعم عاجل للمزارعين، فيما تتطلب الجسور ومحطات المياه أعمال صيانة سريعة لمنع تفاقم الأزمة الإنسانية.
كما تعيد التطورات الأخيرة فتح ملف إدارة الموارد المائية في سوريا، والعلاقة المعقدة مع تركيا، إضافة إلى الحاجة لإعادة تنظيم حرم النهر ومنع التعديات التي فاقمت الأضرار.
ولعل الدرس الأبرز من أزمة الفرات الأخيرة أن إدارة النهر لا يمكن أن تبقى رهينة ردود الفعل. فالمطلوب لا يقتصر على خفض المفيض، أو ترميم جسر، أو إصلاح محطة مياه، بل يتطلب خطة طويلة الأمد تشمل مراقبة المنسوب، وتنظيم الضفاف، وحماية محطات الشرب، وإعادة تأهيل الجسور، وبناء آلية إنذار مبكر أكثر فاعلية.
لم تكن الموجة المائية اختبارًا للسدود وحدها، وانما كانت اختبار لقدرة مؤسسات الدولة على إدارة منطقة أنهكتها الحرب، وتحتاج اليوم إلى خطة مستدامة لإدارة النهر وحماية ضفتيه، قبل أن تتحول أي موجة جديدة إلى أزمة أوسع.
- القدس العربي


























