في خضم الجدل في الولايات المتحدة بشأن نتائج الحرب مع إيران، ثمّة نقاش يتجاوز الخلاف المعتاد بين الجمهوريين والديمقراطيين أو بين اليمين واليسار؛ فالمناظرة هذه المرّة تدور داخل قلب المؤسّسة الفكرية والاستراتيجية الأميركية نفسها، من جامعة شيكاغو إلى مجلس العلاقات الخارجية، ومن بروكينغز إلى صفحات مجلة ذا أتلانتيك The Atlantic، يظهر سؤال لم يكن مطروحاً بهذه الحدّة منذ العراق وأفغانستان: ماذا لو كانت الولايات المتحدة قد ربحت المعركة وخسرت السياسة؟
لعل أكثر الأصوات تأثيراً في هذا الجدل جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو وأحد أبرز منظري الواقعية الجديدة في العالم. فالرجل الذي تحوّل إلى أحد أكثر الأكاديميين حضوراً في الفضاء الإعلامي الأميركي لا يجادل فقط بأن الحرب لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، بل يذهب إلى أن إدارة ترامب تجد نفسها اليوم أمام المعضلة التقليدية التي واجهت إدارات أميركية سابقة: كيف يمكن تحويل التفوق العسكري إلى إنجاز سياسي مستدام؟ وهي معضلة تدفع البيت الأبيض إلى البحث عن رواية انتصار أكثر من بحثه عن استراتيجية خروج واضحة.
في المقابل، جاء التشكيك الأكثر إثارة من روبرت كاغان، أحد أبرز رموز المحافظين الجدد الذين ارتبطت أسماؤهم بالدفاع عن الهيمنة الأميركية بعد الحرب الباردة. ففي مقالته “كش ملك في إيران Checkmate in Iran” في “The Atlantic”، لم يناقش فقط كلفة الحرب، بل شكّك في قدرة الولايات المتحدة على تحويل إنجازاتها العسكرية إلى نتائج استراتيجية دائمة. وليست أهمية هذا الموقف في مضمونه فقط، بل أيضاً في صاحبه. فحين يبدأ أحد أبرز المدافعين عن القوة الأميركية بالحديث عن حدود هذه القوة، نكون أمام تحول أعمق من مجرد اختلاف في تقييم الحرب.
تفسّر هذه الخلفية الحضور الكثيف لمصطلحات مثل “الفخ الاستراتيجي” و”الاستنزاف” و”الانتصار التكتيكي مقابل الإخفاق الاستراتيجي”؛ فالنقاش الأميركي الحالي يتجاوز سؤال الحرب الحالية إلى تحليل موقع الولايات المتحدة نفسها في النظام الدولي، وبتأثير سياسات ترامب على أميركا، على صعيد حدود القوة العسكرية وعلاقات التحالف الاستراتيجي، وصورتها في العالم..
من هنا يمكن فهم الإلحاح المتزايد على توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية بعد الحرب؛ فبالنسبة إلى ترامب، لا يكفي القول إن إيران تعرّضت لضربة قوية، بل يجب أن تترجم هذه الضربة إلى صورة سياسية أكبر: شرق أوسط جديد، تتوسّع فيه دائرة التطبيع، وتتراجع فيه مكانة إيران، وتترسّخ فيه إسرائيل مركزاً للنظام الإقليمي الجديد.
تبدو الاتفاقيات الإبراهيمية جزءاً من محاولة لإنتاج معنى سياسي للحرب أكثر منها مجرّد مشروع دبلوماسي مستقل. فكلما تعذر إثبات وجود تحول استراتيجي حاسم داخل إيران، ازدادت الحاجة إلى إظهار نتائج إقليمية ملموسة يمكن تقديمها للرأي العام الأميركي دليلاً على النجاح.
المفارقة هنا في محاولة الإدارة الأميركية تسويق الحرب خطوة نحو شرق أوسط أكثر استقراراً، فإنّ عواصم عربية كثيرة باتت تنظر بقلق متزايد إلى الاتجاه الذي تسير فيه إسرائيل نفسها. ولم يعد السؤال الرئيسي بالنسبة لهذه الدول: كيف نحتوي إيران؟ بل كيف نتعامل مع إسرائيل التي لديها شعور بفائض القوة وتريد فرض معادلات جديدة على المنطقة بمساندة من إدارة ترامب التي تحاول فرض نظام شرق أوسطي بالقوة؟
لا يتعلق القلق فقط بنتائج الحرب على إيران، بل بطبيعة النظام الإقليمي الذي قد يولد من رحمها. وإذا كانت إدارة ترامب تحاول تقديم الاتفاقيات الإبراهيمية بوصفها الدليل على نجاح مشروعها، فإنّ الخشية الحقيقية تكمن في عدم وجود صيغة سياسية توافقية للنظام الجديد أو لحالة الاستقرار السياسي والإقليمي، بخاصة أنّ إدارة ترامب لا تقدّم للعرب أي صفقة مقنعة لتبني منظورها الإقليمي، وتحديداً في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، بل حتى صفقة القرن التي قدّمها ترامب وصهره جاريد كوشنير في فترة رئاسته الأولى لم تعد مطروحة أميركياً اليوم، ما يعني أنّ الأزمة العربية ستكون أكثر احتمالاً في المرحلة المقبلة مع الإدارة الأميركية نفسها.
- العربي الجديد























