وضع ارتفاع منسوب المياه في نهر الفرات، على نحوٍ غير مسبوق، دير الزور في مقدمة المشهد السوري، وأدخلها فضاء النقاش والاهتمام الرسمي والشعبي، بعد عقود طويلة من الإهمال والتهميش رغم كونها من أهم السلال الغذائية في البلاد، ومصدر رئيسي للطاقة.
وزار الرئيس أحمد الشرع وعدد من الوزراء المحافظة أمس الجمعة، للوقوف على الآثار التي خلّفها ارتفاع منسوب المياه إلى مستويات غير مسبوقة، ما أدى إلى تضرّر نحو 2500 عائلة، وخروج 60 محطة مياه عن الخدمة كلياً أو جزئياً، وتضرّر أكثر من 5 آلاف دونم من الأراضي الزراعية.
واتخذت الحكومة إجراءات وُصفت بـ”الإسعافية”، لمواجهة تداعيات ما جرى في قطاعات المياه والصحة والزراعة والبنية التحتية ولا سيّما الجسور التي تربط ضفتَي النهر الذي يمر في محافظة دير الزور من وسطها، كما قامت بعمليات إخلاء احترازية للمناطق عالية الخطورة وتأمين مراكز إيواء مؤقتة للعائلات المتضرّرة.
ودخلت محافظة دير الزور فضاء النقاش العام في سورية على ضوء التطورات الأخيرة ولا سيّما أن ارتفاع منسوب المياه كان ينذر بالأسوأ، قبل ان تتراجع المخاوف مع إعلان وزير الطاقة محمد البشير الجمعة تخفيض الاطلاقات المائية عبر سد الفرات، وبدء تطبيق الإجراءات التشغيلية اللازمة لمعالجة الارتفاعات التي شهدها خلال الأيام الماضية.
وتعد محافظة دير الزور من كبريات المحافظات السورية لجهة المساحة والتي تبلغ نحو 33 ألف كيلو متر مربّع، فالحدود الإدارية تضرب إلى عمق البادية جنوباً وإلى حدود الحسكة شمالاً، وإلى الغرب محافظة الرقة وشرقاً الحدود الجغرافية مع الجانب العراقي. وخلال سنوات الثورة مرت المحافظة بتحولات عميقة، وانتقلت السيطرة عليها من جهة أخرى، ما أدّى الى نزوح وهجرة العدد الأكبر من أهلها. وكانت دير الزور من أوائل المحافظات السورية ثورة على نظام الأسد البائد والذي دمّر معظم أحيائها وجسورها، بما فيها الجسر “المعلق”، الشهير والذي يعد من الجسور النادرة في العالم، وشيّده الفرنسيين قبل نحو 100 عام.
وارتكبت العديد من المجازر في مدينة دير الزور وريفها، لعل أكثرها قسوة ووحشية مجزرة حيي الجورة والقصور إذ جرى إحراق عشرات الأشخاص في الأفران لكسر إرادة المدينة. وفي عام 2012، سيطر الجيش السوري الحر على كامل ريف المحافظة، وأغلب أحياء المدينة التي حُصر النظام البائد في مطارها وأحياء قريبة منه. وفي عام 2014 سيطر تنظيم “داعش” على أغلب محافظة دير الزور وفشل في السيطرة على الأحياء التي كانت تحت سيطرة النظام البائد، والتي حُوصرت لسنوات ما تسبب بكارثة إنسانية.
وشهد عام 2017 استعادة النظام البائد بمساندة من الروس والإيرانيين السيطرة على الشطر الجنوبي من محافظة دير الزور والذي يضم المدن الثلاث: دير الزور، الميادين، والبوكمال، بينما سيطرت “قوات سوريا الديمقراطية”، (قسد)، على الجانب الشمالي بمساعدة التحالف الدولي ضد الإرهاب، وتحولت مناطق سيطرة النظام البائد إلى فضاء جغرافي للنفوذ الإيراني المباشر إذ انتشرت الميليشيات الطائفية واتخذت من الميادين والبوكمال معقلين لها.
وما بين عامَي 2017 و2024، شهدت محافظة دير الزور مواجهات وعمليات قصف ما بين ضفتَي نهر الفرات، فضلاً عن الهجمات الجوية التي لم تتوقف على أهداف إيرانية من طيران التحالف. ومع سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول عام 2024، سيطرت الإدارة الجديدة على المناطق التي كانت بحوزته، قبل أن تسيطر على كامل المحافظة مطلع العام الجاري بعد طرد قوات “قسد” من ريفها الواقع شمال النهر.
وتضمّ محافظة دير الزور ثروتَين، الأولى في ظاهر الأرض وهي الزراعة، والثانية في باطنها حيث النفط والغاز، فدير الزور سلّة غذائية مهمة في البلاد، ومصدر رئيسي للطاقة. وتضم المحافظة العديد من الحقول النفطية المهمة، أبرزها حقل العمر أكبر الحقول السورية مساحة وإنتاجاً، إذ كان ينتج قبل عام 2011 نحو 50 ألف برميل يومياً بينما اليوم لا يتعدى الإنتاج الـ 5 آلاف برميل.
ولا يعد التهميش طارئاً على محافظة دير الزور والمحافظات الشرقية، فقد عانت منه منذ تشكيل الدولة السورية بحدودها الحالية قبل أكثر من مئة عام، فالأنظمة التي تعاقبت على السلطة لم تولها ما تستحق من اهتمام حتى تحولت إلى “بيئة طاردة”، لأهلها بسبب انعدام فرص العمل وتدنّي الخدمات المقدمة للسكان. ويقدر مكتب تنسيق العمل الإنساني في دير الزور، نسبة الدمار في المدينة بنحو 85%، وتشمل البنى التحتية والمدارس والمنشآت الصحية، والخدمية.
ويقدر عدد السكان في عموم المحافظة بنحو 700 ألف نسمة، بينما ينتشر أكثر من هذا العدد، في مدن سورية وبخاصة في العاصمة دمشق وفي المغتربات. ولمحافظة دير الزور، طبيعة عشائرية، إذ تقطنها قبائل عربية عريقة، سواء في جنوب النهر أو ما يُعرف محلياً بـ “الشامية”، أو شمال النهر المعروف بـ”الجزيرة”، وأبرزها: العقيدات في الريف الشرقي والبكّارة في الريف الغربي.
- العربي الجديد

























