وقف رجل أمن من قوات الداخلية المكلفة بحماية المتظاهرين بين مظاهرتين غير مرخصتين تحمل كل منهما موقفاً سياسياً مناقضاً للآخر، ليفصل بين متظاهرين من المجموعتين وقعا في مشادة كلامية، تحدث الرجل إلى الطرفين محاولاً تهدئتهما قائلاً: “يا عمي! يا أخوي! نحن هون أخوة، أنت سوري وهو سوري! هذا الأمر ممنوع”.
وأصبح هذا المشهد تريند بعد انتشار مقطع الفيديو الذي وثق الحادثة، وفي بلد باتت وسائل التواصل الاجتماعي فيه فاعلاً رئيساً، وفي بلد خرج من ثورة كانت مقولتها الرئيسية “الحرية والكرامة”، فإن المشاهد غير المألوفة من الطبيعي أن تكون كذلك.
في مقابل هذا المشهد، ثمة مشهد آخر قبل بضعة أيام يتعلق بالحريات العامة أيضاً، فقد تم اعتقال الناشطين إبراهيم شيخ الشباب وياسر عباس، اللذين يقودان احتجاجات ضد المرسوم 66 والقرارات التي اتخذها محافظ دمشق المتعلقة بتنفيذه على نحو عادي لجبر الضرر. الاعتقال جاء بعد شكوى مقدمة من محافظ دمشق إلى فرع مكافحة الجرائم الإلكترونية.
من الناحية القانونية، قد يمتلك المحافظ حق الدعوى، لكن ثمة بعداً سياسياً يجب ألا يتم إغفاله في البلاد، في موضوع حساس من جهة، وهو الاستملاك للأملاك الخاصة، في ما أصبح قضية معروفة على مستوى البلاد، وثانياً يندرج في إطار الحريات العامة ومستوى استيعاب الجهات الحكومية للنقد والاحتجاج المطلبي.
من نافلة القول إن نداء “الحرية” الذي انطلقت منه الثورة السورية بمدلوله السياسي لم يكن مطلباً فئوياً أو مجرد بند في قائمة مطالب متعددة، وإنما كان الإطار الكلي الذي انتظمت داخله جميع المظلوميات المتراكمة في نظام آل الأسد، لهذا تمثل الحرية قضية تأسيسية، وقاعدة أخلاقية وسياسية اكتسبت من خلالها بقية المطالب معناها، وفي شكل خاص “الكرامة”، التي تمثل الفضاء الذي يمنع جعل الحرية شكلاً بلا مضمون.
ليس مبالغة القول إن شرعية الدولة السورية الجديدة ترتبط إلى حد كبير بقدرتها على حماية هذه القيمة المؤسِّسة؛ فالحكم الناشئ بداهة هو ثمرة ثورة مستحيلة دفع السوريون كلهم ثمنها الباهظ، وإذا كانت الدولة الحديثة تستمد جزءاً من مشروعيتها من تحقيق الأمن والاستقرار، فإن الدولة الخارجة من رحم ثورة دافعت عن الحرية تصبح مطالبة بحماية المجال العام الذي ناضل المجتمع من أجل استعادته.
ولأن الشرعية مفهوم غير مرئي، بالرغم من أنه يمثل قاعدة الحكم، فإن الكثير من المسؤولين حديثي العهد بالسياسة لا يستطيعون إدراك أهميته ونتائج استسهال التعاطي معه وأخذه بالحسبان.
وإذا كانت الحرية في الدولة الحديثة حقاً أصيلاً، فهي في حالتنا السورية أكثر من ذلك أساس للشرعية، وهي عقد غير معلن مع الحكم الجديد تم تثبيته بطرق مختلفة في الإعلان الدستوري، ولا ينبغي النظر إليها على أنها منحة وقرار من مركز السلطة في الأعلى، أو على أنها امتياز تهبه السلطات أو تسحبه وفقاً لتقلبات المزاج السياسي، فالانتقال السياسي والاستقرار المستدام لا يتحققان إلا ببناء ثقة بين السلطة والمجتمع، وهي لا تنشأ إلا عندما يشعر المواطن بأن حقوقه مصونة، وأن سلطة الدولة مقيدة بالقانون.
والواقع أن بناء هذه الثقة يرتبط بالتمييز الحاسم بين “سيادة القانون” واستخدامه كأداة للضبط والتدجين السياسي. فالقانون يؤدي وظيفته في الضبط والاستقرار عندما يشكل مظلة عامة تحكم الجميع بالمعايير ذاتها دون تمييز.
لكن إذا تحولت النصوص القانونية إلى أدوات انتقائية لتقييد الآراء المخالفة أو استهداف جماعات بعينها، أو منحت مسؤولاً قدرة على إنفاذ القانون لا يمتلكها المواطن العادي فإن القانون يفقد شرعيته الأخلاقية، وتصبح العدالة رهينة طريقة التطبيق ومجرد وجود نصوص شكلية في الإعلان الدستوري.
يشكل استقلال القضاء الحصن المؤسسي الأخير لحماية الحريات العامة، وحائط الصد أمام تغول السلطة التنفيذية على الحقوق الفردية، ولأن المحاكم لا تؤدي دورها الحقيقي إلا إذا بقيت بمنأى عن التجاذبات السياسية وموازين القوى المتغيرة، وحين يمتلك القضاء حصانته وقدرته على الفصل العادل في الخصومات، فإن ثقة الأفراد تتعزز بالمؤسسات بينما يؤدي التدخل السياسي في الأحكام إلى تقويض تلك الثقة، مما يفرغ شرعية الدولة من مضمونها على المدى الطويل، وينشئ ظاهرة الاغتراب عن الدولة.
بناء الدولة بعد سنوات الحرب والانقسام لا يقتصر على ترميم الهياكل الإدارية والأجهزة التنفيذية والعلاقات الدولية والتمهيد لانطلاق عجلة التنمية فحسب، بل يمتد إلى ترميم النسيج الاجتماعي وإنتاج شعور مشترك بالانتماء. وبينما تنشغل الحكومات عادة بإعادة بناء السقوف المؤسسية، يبقى بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع هو الشرط الأساسي لاستقرار أي نظام سياسي جديد.
ويعتمد نجاح هذه الهيكلة على تقديم الدولة لنفسها كإطار جامع لكل السوريين؛ فالدولة تنجح عندما تدير التنوع الاجتماعي والسياسي ضمن فضاء قانوني مشترك، وفي الوقت الذي يشعر فيه الجميع بالمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، حينها تتعزز فرص التكامل الوطني، في حين يعيد الإقصاء أو التمييز إنتاج الشروخ ذاتها التي سعت عملية التغيير إلى تجاوزها.
يكمن الاختبار الحقيقي في المرحلة الانتقالية في القدرة على تحويل الحرية من شعار سياسي صاخب إلى مبدأ مؤسسي هادئ ومنظم للعلاقة بين السلطة والمجتمع. ومن دون شك، يمثل إصدار القوانين خطوة ضرورية، لكن قيمتها الفعلية تُقاس بمدى قدرتها على حماية الحقوق على أرض الواقع وتوسيع المجال العام؛ وبدون ذلك نعيد إنتاج الأسباب البنيوية ذاتها التي فجرت غضب السوريين ابتداءً.
عود على بدء، إن الملامح الأولية لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع تبدو واعدة عند النظر إلى سلوك المؤسسة الأمنية الناشئة؛ فقد نجحت قوات الأمن مراراً في حماية المظاهرات والوقوف على مسافة واحدة من جميع المحتجين بصرف النظر عن مطالبهم، وهو ما جعلها تحظى بإشادة واسعة النطاق بين السوريين في كل مرة، لقد نجح هذا الجهاز، الذي أُعيد بناؤه وتأهيله بالكامل، في الاختبار الأول والأهم في علاقته بالمجتمع، ليقدم حتى الآن الأداء الأفضل والأكثر انضباطاً بين بقية أجهزة الدولة، ويتحول إلى المؤسسة الأكثر قرباً من المجتمع.
ومن يعرف سوريا يعرف أنها لم تشهد منذ انقلاب البعث مثل هذه العلاقة، والأمل أن تستمر بالتطور نحو الأفضل، فعلى الرغم من أن المؤسسة الأمنية تبدو حتى الآن الأقرب إلى المجتمع، إلا أنها بحاجة بعض الوقت أيضًا لاستكمال هياكلها ولتنتج ثقافة مؤسسية راسخة، وآليات محاسبة دقيقة ومنضبطة بالقانون لا تتأثر بالترند.
- الثورة السورية






















